حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 35
خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ أي يخرجون من قبورهم خاشعا ذليلا أبصارهم من الهول وإفراده وتذكيره لأن فاعله غير حقيقي التأنيث. وقرئ «خاشعة» على الأصل. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم «خشعا» وإنما حسن ذلك ولا يحسن:
مررت برجال قائمين غلمانهم، لأنه ليس على صيغة يشبه الفعل. وقرئ «خشع أبصارهم» على الابتداء والخبر فتكون الجملة حالا كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7) في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة.
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ مسرعين مادي أعناقهم إليه أو ناظرين إليه. يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) صعب
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ قبل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العمل. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «خاشعا أبصارهم» . وباقي السبعة «خشعا» .
والقراءة الأولى جارية على اللغة الفصحى من حيث إن الفعل وما جرى مجراه إذا قدم على فاعله الظاهر يفرد ويذكر فيقال: تخشع أبصارهم ولا يقال تخشعن أبصارهم فإن تأنيث الجمع غير حقيقي لكونه بمعنى الجماعة، والفعل إذا أسند إلى الظاهر المؤنث الغير الحقيقي جاز إلحاق علامة التأنيث بالفعل وتركها نحو: طلع الشمس وقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ [البقرة: 275] فكذا إذا أسند إلى ظاهر الجمع مطلقا أي سواء كان جمع سلامة أو جمع تكسير وسواء كان واحد المكسر حقيقي التذكير أو التأنيث كرجال ونسوة، أو مجازي التأنيث كأيام ودور، وكذا واحد المجموع بالألف والتاء ينقسم إلى هذه الأقسام الأربعة نحو:
الظلمات والزينبات والجبليات والغرفات، فحكم المسند إلى ظاهر هذه الجموع حكم المسند إلى ظاهر المؤنث الغير الحقيقي في جواز إلحاق علامة التأنيث وتركه. وأما إلحاق ضمير الجمع به مع كونه مسندا إلى الظاهر فغير فصيح إلا على لغة طي يقولون: أكلوني البراغيث، فقراءة «خشعا أبصارهم» جاءت على تلك اللغة. فكذا أسماء الفاعلين إذا أسندت إلى الجماعة جاز فيها التوحيد مع التذكير نحو «خاشعا أبصارهم» وجاز أيضا التوحيد مع التأنيث نحو «خاشعة أبصارهم» وجاز الجمع أيضا على لغة طي «خشعا أبصارهم» . فقوله: «وقرئ خاشعة على الأصل» وهو أن لا يجمع إذا أسند إلى ظاهر الجميع وأن يؤنث لكونه مسندا إلى المؤنث وإن كان تأنيثه غير حقيقي، ولم يجعل المصنف قراءة «خشعا أبصارهم» مبنية على لغة أكلوني البراغيث لعدم الاحتياج إلى حملها على تلك اللغة، لأنه إنما يحتاج إلى الحمل عليها فيما إذا كان المسند فعلا أو ما يشبه الفعل ويجري مجراه وهو جمع السلامة مثل: قائمين غلمانهم وكريمين آباؤهم. وأما إذا كان المسند مما لا يشبه الفعل كجمع التكسير فجمع مثل هذا المسند أولى من إفراده ليطابق فاعله ولا محذور في كونه مخالفا للفعل في الحكم لأنه لا يشبه الفعل، فكذلك «خشعا أبصارهم» وقبح قاعدين غلمانهم ولم يصح قعودا غلامهم. والظاهر أن قوله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ استئناف لبيان عاقبة