حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 36
قومك فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا. وهو تفصيل بعد إجمال. وقيل: معناه كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب تبعه آخرون مكذبون، أو كذبوه بعدما كذبوا الرسل وَقالُوا مَجْنُونٌ هو مجنون وَازْدُجِرَ (9) وزجر على التبليغ بأنواع الأذية.
وقيل: إنه من جملة قيلهم أي هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته.
فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي أي بأني. وقرء بالكسر على إرادة القول. مَغْلُوبٌ غلبني قومي فَانْتَصِرْ (10) فانتقم لي منهم وذلك بعد يأسه منهم فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه فيفيق ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المتولي عنهم إن كان «يوم» منصوبا «بيخرجون» ولبيان ما يكون في ذلك اليوم إن كان منصوبا باذكر. وقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ جَرادٌ في موضع الحال من فاعل «يخرجون» أي يخرجون مشبهين بالجراد وكذا «مهطعين» والإهطاع الإسراع أي مسرعين إلى جهة الداعي منقادين أذلاء. وقيل: هو الإسراع مع مد العنق. وقيل: هو النظر. الجوهري: هطع الرجل إذا أقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه يهطع هطوعا، وأهطع إذا مد عنقه وصوب رأسه، وأهطع في عدوه أي أسرع. ثم إنه تعالى شرع في ذكر بعض الأنبياء فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ. قوله: (وهو تفصيل بعد إجمال) يعني أن قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ لا يقدر له مفعول بل ينزل منزلة اللازم أي فعلوا فعل التكذيب والتكذيب لا بد له من متعلق إلا أنه أجمل ثم فصل بقوله: فَكَذَّبُوا عَبْدَنا فتكون الفاء فيه للتعقيب في الذكر كما في قوله تعالى: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ [هود: 45] . قوله: (وقيل معناه) أي قيل: إن الفاء ليست لعطف تفصيل المجمل على المجمل بل هي لترتيب مضمون ما بعدها على ما قبلها في التحقق والوجود، وذلك بأن يقصد تعلق قوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ بالمفعول إلا أن ذلك المفعول لم يذكر إما لقصد التعميم وإما لكونه متعينا لدلالة القرينة عليه. والمعنى: كذبوا نوحا تكذيبا عقيب تكذيب أو كذبوه بعد ما كذبوا جميع الرسل، فإن قوم نوح كانوا مشركين يعبدون الأصنام ومن يعبد الصنم يكذب كل رسول وينكر الرسالة رأسا ويقول: لا تعلق للبارئ تعالى بالعالم السفلي وإنما أمره إلى الكواكب والأوضاع الفلكية، فكان مذهبه تكذيب الرسل جميعا. فلما بعث إليهم نوح عليه الصلاة والسّلام كذبوه أيضا على مقتضى ما ذهبوا إليه، فتكذيبهم إياه تكذيب له عقيب تكذيب الرسل عليهم السّلام وقولهم في حقه عليه السّلام: هو مجنون مبالغة في تكذيبهم إياه حيث شبهوه بالمجنون زاعمين أنه يقول ما لا يقبله العقل ويأباه، وليس مرادهم أنه عليه السّلام مجنون حقيقة لأنه مكابرة محضة. قوله:
(وزجر) يعني أن قوله تعالى: وَازْدُجِرَ افتعل بمعنى فعل كقوله: ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ فيكون قوله: وَازْدُجِرَ من كلام اللّه تعالى أخبر عنه عليه الصلاة والسّلام بأنه انتهر وزجر بالسب