حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 37
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) منصب وهو مبالغة وتمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصبابها وقرأ ابن عامر ويعقوب «ففتحنا» بالتشديد لكثرة الأبواب
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة. وأصله وفجرنا عيون الأرض غير للمبالغة. فَالْتَقَى الْماءُ ماء السماء وماء الأرض وقرئ الماءان لاختلاف النوعين، والماوان بقلب الهمزة واو عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) على حال قدرها اللّه في الأزل من غير تفاوت، أو على حال قدرت وسويت وهو أن قدّر ما أنزل على قدر ما أخرج، أو على أمر قدّره اللّه وهو هلاك قوم نوح بالطوفان.
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ ذات أخشاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأنواع الأذية حيث قالوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: 116] ويؤيد هذا المعنى ترتب قوله: فَدَعا رَبَّهُ عليه بالفاء أي لما زجروه على دعوتهم وعلى تبليغ رسالته إليهم دعا ربه بأني غلبني قومي بالتكذيب وأنواع الأذية على طول الزمان فانتقم لي ممن كذبني.
قوله: (وهو مبالغة وتمثيل) يعني جعل الماء آلة لفتح أبواب السماء مبالغة في كثرة الماء. هذا على أن تكون الباء في قوله تعالى: بِماءٍ مُنْهَمِرٍ للاستعانة كما تقول: فتحت بالمفتاح. ويحتمل أن تكون للحال أي فتحناها ملتبسة بهذا الماء المنهمر الكثير النازل بقوة وتتابع حيث قيل: إنه لم ينقطع أربعين يوما، وجعل الكلام استعارة تمثيلية لأن الظاهر أن السماء ليست لها أبواب تفتح وتغلق حتى تنزل الأمطار من تلك الأبواب بل هي إنما تنزل من السحاب، إلا أنه شبه نزولها من السحاب بكثرة وشدة بنزولها من السماء بأن غلبت على أبوابها وانصبت منها ولم يتأت للأبواب أن تسدها. وقيل: كل واحد من السماء والأبواب وفتحها حقيقة إذ لا بعد في أن يكون للسماء أبواب تفتح وتغلق حتى روي عن علي رضي اللّه عنه: أن أبواب السماء هي المجرة ولا بعد أيضا أن ينزل المطر من تلك الأبواب.
قوله: (فغير للمبالغة) أي غير العيون من المفعولية إلى التمييز للمبالغة لأن قولنا:
فجرنا عيون الأرض معناه فجرنا وسيلنا ما فيها من العيون، ولا مبالغة فيه بخلاف قولنا:
فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فإن معناه فجرنا أجزاء الأرض كلها بجعلها عيون ماء، ولا شك في أنه أبلغ. ولما كان الماء اسم جنس صح أن يقال: فَالْتَقَى الْماءُ بدل فالتقى ماء السماء وماء الأرض، والظاهر أن قوله تعالى: عَلى أَمْرٍ حال من «الماء» أي فالتقى مياه السماء والأرض كائنة على المقدار الذي قدر اللّه تعالى في الأزل أن تكون عليه، أو التقيا كائنا كل واحد منهما على مقدار الآخر مساويا له كما قال مقاتل: قدر اللّه أن يكون الماءان سواء وكانا على ما قدرا، أو فالتقى الماء مستوليا على ما قدره اللّه تعالى من هلاك قوم نوح. انتهى.