حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 38
عريضة. وَدُسُرٍ (13) ومسامير جمع دسار من الدسر وهو الدفع الشديد وهي صفة للسفينة أقيمت مقامها من حيث إنها شرح لها يؤدي مؤداها.
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا بمرأى منا محفوظة بحفظنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14) أي فعلنا ذلك جزاء لنوح لأنه نعمة كفروها، فإن كل نبي نعمة من اللّه ورحمة على أمته. ويجوز أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل إلى الضمير. وقرئ «لمن كفر» أي للكافرين.
وَلَقَدْ تَرَكْناها أي السفينة أو الفعلة. آيَةً يعتبر بها إذ شاع خبرها واستمر فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جمع دسار) مثل كتاب وكتب، وكما أن الكتاب بمعنى المكتوب فكذا الدسار بمعنى المدسور، فإن المسمار يدفع دفعا شديدا. قوله: (أقيمت مقامها من حيث إنها شرح لها) أي كالشرح يعني أن قوله تعالى: ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ لما كانت صفة كاشفة للسفينة مبينة لماهيتها لكونها مركبة من ألواح ودسر حسن إقامتها مقام السفينة، فإن تقدير الكلام وحملناه على سفينة ذات ألواح ودسر، فحذف الموصوف. وقوله: تَجْرِي في محل الجر على أنه صفة «ذات ألواح» و «بأعيننا» في موضع النصب على أنه حال من المنوي في «تجري» أي بمرأى منا محفوظة بحفظنا. قوله: (أي فعلنا ذلك) الإشارة إلى الأفعال المذكورة بقوله:
«فتحنا» و «فجرنا» و «حملنا» أي فعلنا كله جزاء للمكفور وهو نوح عليه الصلاة والسّلام، فإن إنجاءه وإهلاك مكذبيه جزاء له على ما تحمله من أذيتهم على أن يكون المراد بالكفر هو ضد الشكر وهو جحود النعمة، فإن الكفر بهذا المعنى يتعدى بنفسه يقال: كفره كفورا وكفرانا. ويجوز أن يراد به ما هو ضد الإيمان ويكون التقدير: لمن كان كفر به فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، فإن الكفر الذي هو ضد الإيمان يعدى بالباء قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ [البقرة: 256] والجمهور على أن «كفر» بضم الكاف وكسر الفاء على بناء المفعول. وقرئ «كفر» على بناء الفاعل والمراد بمن كفر قوم نوح. قوله:
(أي السفينة) يعني الموصوفة بقوله: ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ثم قيل: المراد ترك عينها على الجودي من أرض الجزيرة. وقيل: بأرض الهند. وقيل: المراد ترك مثلها في الناس فإنهم لم يعرفوا قبل ذلك اتخاذ السفن، فلما رأوا تلك السفينة صنعوا مثلها فكانت آية باقية وعبرة باهرة تدل على قدرة اللّه تعالى وحكمته وعظم فضله لعباده. عن قتادة أنه قال: أبقى اللّه سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وكذا عن ابن عباس. قال الإمام أبو الليث: قوله تعالى: تَرَكْناها آيَةً يعني سفينة نوح أبقيناها عبرة للخلق. قال بعضهم: يعني تلك السفينة كانت باقية بعينها على الجبل إلى قريب من خروج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقال بعضهم:
يعني جنس السفينة صارت عبرة لأن الناس لم يعرفوا قبل ذلك سفينة فاتخذ الناس السفن بعد ذلك في البحر فلذلك كانت آية للناس. إلى هنا كلامه. قوله: (أو الفعلة) وهي إنجاء نوح