حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 39
معتبر. وقرئ «مذتكر» على الأصل ومذكر بقلب التاء ذالا والإدغام فيها.
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (16) استفهام تعظيم ووعيد. والنذر يحتمل المصدر والجمع.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ سهلناه أو هيأناه من يسر ناقته للسفر إذا رحلها. لِلذِّكْرِ للإذكار والاتعاظ بأن صرفنا فيه أنواع المواعظ والعبر أو للحفظ بالاختصار وعذوبة اللفظ. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) متعظ كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (18) وإنذاراتي لهم بالعذاب قبل نزوله، أو لمن بعدهم في تعذيبهم.
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا باردة أو شديدة الصوت فِي يَوْمِ نَحْسٍ شؤم مُسْتَمِرٍّ (19) استمر شؤمه أو استمر عليهم حتى أهلكهم أو على جميعهم كبيرهم وصغيرهم فلم يبق منهم أحدا واشتد مرارته وكان يوم الأربعاء آخر الشهر.
تَنْزِعُ النَّاسَ تقلعهم. روي أنهم دخلوا في الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض فنزعتهم الريح منها وصرعتهم موتى. كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) أصول نخل منقلع عن مغارسه ساقط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن آمن به من أصحاب السفينة من الكرب العظيم وتدمير آخرين بعذاب أليم. قوله:
(معتبر) يعتبر بما صنع اللّه تعالى بقوم نوح فيترك المعصية ويختار الطاعة والإنابة. ثم إنه تعالى لما بيّن أنه أجاب دعوة نوح بأن فتح أبواب السماء بالماء المنهمر وفجر الأرض عيونا وأنه حمل من آمن من عباده على السفينة، علم منه أنه تعالى عذب قومه بأسرهم بأن أغرقهم أجمعين فقال استعظاما لذلك العذاب وإيعادا لمشركي مكة فَكَيْفَ كانَ عَذابِي الذي عذبتهم به؟ كيف كان عاقبة إنذاري وعنادهم؟ والنذر يحتمل أن يكون مصدرا كالإنذار كما حكى عن الفراء أنه قال: تقول العرب: أنذرت إنذارا ونذرا كقولهم: أنفقت إنفاقا ونفقة وأيقنت إيقانا ويقينا. ويحتمل أن يكون جمع نذير الذي بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار فالمعنى: فكيف كان عاقبة إنذاراتي لهم بالعذاب ألم أعذبهم بمرة واحدة بعدما تتابعت وتواترت عليهم إنذاراتي التي هي آثار رحمتي؟
قوله: (باردة) على أن يكون الصرصر مأخوذا من الصر بكسر الصاد وهو برد يضر بالنبات والحرث. وفي الصحاح: ريح صرصر أي باردة ويقال: أصلها صرر من الصر، فأبدلوا مكان الراء الوسطى فاء الفعل كقولهم: كبكبوا أصله كببوا، وتجفجف الثوب أصله تجفف. وعن المبرد: أن الصرصر الريح الشديد الصوت من صر الباب أو القلم إذا صوت.
وقيل: الصرصر الدائمة الهبوب من أصر على الشيء إذا دام وثبت. قوله تعالى: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ) العامة على إضافة «يوم» إلى «نحس» بسكون الحاء وهو عند الكوفيين من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته فإنهم يجوزون ذلك خلافا للبصريين فإنهم لا يجوزونها إلا بتأويل