حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 42
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ مخرجوها وباعثوها فِتْنَةً لَهُمْ امتحانا نالهم فَارْتَقِبْهُمْ فانتظرهم وتبصر ما يصنعون. وَاصْطَبِرْ (27) على أذاهم
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ مقسوم لها يوم ولهم يوم وبينهم لتغليب العقلاء. كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) يحضر صاحبه في توبته أو يحضر عنه غيره
فَنادَوْا صاحِبَهُمْ قدار بن سالف أحيمر ثمود فَتَعاطى فَعَقَرَ (29) فاجترأ على تعاطي قتلها فقتلها، أو فتعاطى السيف فقتلها.
والتعاطي تناول الشيء بتكلف.
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً صيحة جبرائيل فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) كالشجر اليابس المتكسر الذي يتخذه من يعمل الحظيرة لأجلها، أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء. وقرئ بفتح الظاء أي كهشيم الحظيرة أو الشجر المتخذ لها.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفعل منهما لكثرة دورانهما في الكلام. ثم إن ثمود لما كذبوه وتعنتوا عليه سألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، وهي الناقة التي أتت عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر وزال عنها اسم المخاض ثم لا يزال كذلك اسمها حتى تضع، فدعا صالح ربه فأوحى اللّه تعالى إليه فقال تعالى: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ أي باعثوها ومخرجوها من الصخرة كما اقترحوا وقوله: فِتْنَةً لَهُمْ مفعول له فإن تحقق ما اقترحه القوم يشبه الامتحان أي محنة لهم واختبارا فإن المعجزة فتنة لأن بها يتميز المثاب من المعذب حيث يظهر بها للخلق ويتميز من يتبع الهدى والبينة ممن يتبع الهوى، فمن أصر على الضلال بعد ما شاهد ما اقترحه يحل عليه عذاب عظيم فإن سنة اللّه جرت كذلك كما قال: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ [المائدة: 115] . قوله: (قسمة بينهم) أي مقسوم أو ذو قسمة بين ثمود والناقة غلب العقلاء على غيرهم في القسمة. قوله: (لها يوم ولهم يوم) إشارة إلى أن كون الماء الذي يشربونه مقسوما بين القوم والناقة ليس معناه أن الماء قسمان:
قسم لها وقسم لهم، بل المراد أن يجعل الشرب بينهم على طريق المناوبة بأن يحضره القوم يوما وتحضره الناقة يوما. قوله: (يحضره صاحبه) إشارة إلى أن حضره واحتضره بمعنى والظاهر أن قوله: «أو يحضر عنه» بمعنى أو يمنع عنه إلا أن استعمال الحضر بالضاد في معنى المنع ليس بمعهود، والذي بمعنى المنع هو الحظر بالظاء والفاء في قوله تعالى:
فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فصيحة تفصح أن في الكلام محذوفا تقديره: فبقوا على ذلك زمانا ثم ملوا وتحرجوا من ضيق الماء والمرعى عليهم وعلى مواشيهم، فإن الناقة مع فصيلها كانت تمشي في الصيف في مصيف مواشيهم فتهرب المواشي منهما فتبقى في موضعها الذي تمشي فيه، وكانا يمشيان وقت الشتاء في مشتى المواشي فتهرب المواشي منهما فبقين في الضيق