حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 43
ريحا تحصبهم بالحجارة أي ترميهم إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34) في سحر وهو آخر الليل، أو مسحرين
نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا إنعاما منا وهو علة لنجينا. كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) نعمتنا بالإيمان والطاعة
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لوط بَطْشَتَنا أخذتنا بالعذاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فغلب عليهم الشقاوة فأجمعوا على قتلها فقال بعضهم لبعض: نكمن للناقة حيث تمر إذا صدرت عن الماء، فتحاماها القوم وكمن لها قدار بن سالف ليقتلها وصاح به بقية الرهط أي نبهوه على صدورها ومجيئها وقدومها من مكمنه ودعوه إلى قتلها وشجعوه عليه، فتعاطى أي فاجترأ على تعاطي قتلها والإقدام عليه. فإن التعاطي عبارة عن الإقدام على الفعل العظيم وتحقيقه أن الفعل العظيم يتبرأ منه كل أحد ويعطيه صاحبه، أي فتعاطى صاحبهم آلة العقر فعقرها بها. قيل: كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها ثم شد عليها فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاءة واحدة ثم نحرها. والعرب تسمي الجزار قدارا تشبيها له بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود. والعقر الجرح ثم استعير للقتل. واحيمر تصغير أحمر صغر تحقيرا له وكان قدار أحمر أشقر. ولما استعظم اللّه تعالى عذابهم بيّن ذلك العذاب بقوله: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً صاح فيهم جبريل عليه الصلاة والسّلام.
والعامة على كسر الظاء من المحتظر على أنه اسم فاعل وهو الذي يتخذ حظيرة من الحطب وغيره. والهشيم حطام الشجر والنبت اليابس، ومن اتخذ لغنمه حظيرة يقيها عن البرد والريح يتخذها من دقاق الشجر وضعيف النبات، فإذا طال عليها الزمان بليت وتكسرت وصارت هشيما. وقرئ «كهشيم المحتظر» بفتح الظاء إما على أنه اسم مفعول بمعنى المتخذ حظيرة وهو نفس الحظيرة فالمعنى: كهشيم الحظيرة التي تمنع بها المواشي عن البرد والريح، أو على أنه مصدر ميمي بمعنى الاحتظار سمي الشجر المتخذ للحظيرة محتظرا لكونه مادة للاحتظار، أو اسم مكان أطلق على مادة المحتظر باعتبار توهم المكانية فيها. قوله: (ريحا تحصبهم) إشارة إلى أن الحاصب اسم فاعل بمعنى رامي الحصباء وهي الحجارة خذف موصوفه وهو الريح وتذكيره مع كونه مسندا إلى ضمير الريح وهي مؤنث سماعي لكونها في تأويل العذاب، وقوله تعالى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً [هود: 82؛ الحجر: 74] وكذا قول الملائكة: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً [الذاريات: 33] يدلان على أن الذي أرسل عليهم نفس الحجارة لا التي تحصبها إلا أنه قيل ههنا: (أرسلنا عليهم ريحا حاصبا) للدلالة على أن أمطار الحجارة وإرسالها عليهم كان بواسطة إرسال الريح الحاصبة بالحجارة. والاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ منقطع لأنه مستثنى من الضمير في «عليهم» وهو ضمير القوم المذكور بقوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ولا يدخل فيهم آل لوط لأن المراد به من تبعه على دينه ونون سحرا لأن المراد بيان وقت التنجية وهو سحر من الأسحار، ولو أريد سحر يوم بعينه