حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 46
لم يصرف من سقرته النار، وصقرته إذا لوحته.
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنه قال: «إذا جمع اللّه الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فينادي نداء يسمعه الأولون والآخرون:
أين خصماء اللّه؟ فتقوم القدرية فيؤمر بهم إلى النار ويقول اللّه تعالى: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» وعنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال: «مجوس هذه الأمة القدرية» .
وهم المجرمون الذين سماهم اللّه تعالى في قوله: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ وكثرت الأحاديث في حق القدرية وهم الذين ينكرون القدر وينسبون الحوادث كلها إلى الأوضاع الفلكية واتصالات الكواكب ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في القدر فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ إلى قوله: خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ رواه مسلم في صحيحه. فإن مذهبهم ذلك. واعلم أن المسلمين في مسألة القدر طوائف: فطائفة تقول: كل ما يجري في العالم من الخير والشر والأفعال والأقوال بقضاء اللّه تعالى وقدره لا اختيار للعبد فيه، وتسمى هذه الطائفة جبرية بسكون الباء وفتحها ومعنى الجبر القهر والإكراه ويقولون: أجبر اللّه تعالى عباده على أفعالهم وأقوالهم فلا اختيار لهم فيها، وإضافة الفعل إليهم كما يقال: جرى النهر ودارت الرحى.
ومن ذهب إلى هذا القول لإسقاط التكليف عن نفسه فقد كفر بهذا القول لأنه يفضي إلى إبطال الكتب والرسل لأنه إذا لم يكن للعباد اختيار لم يكونوا مكلفين، فلم يبق لإنزال الكتب وبعثة الرسل حينئذ فائدة. وإن قالوا هذا القول لا عن اعتقاده بل قالوه لتعظيم اللّه تعالى وتحقير أنفسهم وإظهار عجزهم عن دفع قضاء اللّه تعالى لا يكفرون به بل يصيرون مبتدعين فاسقين، لأنهم خالفوا الإجماع في الاعتقاد. والطائفة الثانية القدرية بفتح الدال وسكونها وهم يقولون: كل ما يصدر من العباد عقيب قصدهم على وفق إرادتهم يكون واقعا بقدرتهم ودواعيهم ولا يتعلق به بخصوصه قدرة اللّه تعالى وإرادته، وإنما نسبوا إلى القدر لأن بدعتهم نشأت من قولهم في القدر لنفيه لا لإثباته، وهذه الطائفة قد نفوا هذه التسمية عنهم وقالوا:
إن مذهب القدر هو مذهب الجبر لأنهم قالوا: أفعال العباد بتقدير اللّه تعالى وخلقه لأنهم أسندوا الفعل إلى التقدير. وقيل: إن هذا المذهب باطل أيضا لأنهم إن قالوا هذا القول عن اعتقاد جريان العجز وجوازه على اللّه تعالى صاروا بهذا القول كافرين، وإن قالوه لا عن اعتقاد ذلك بل عن خطأ ظنونهم واجتهادهم ولتنزيه اللّه تعالى عن أفعالهم القبيحة فليسوا بكافرين بهذا القول ولكن كانوا مبتدعين فاسقين لأنهم خالفوا الإجماع. وفيه مذهب آخر وهو أن المؤثر مجموع قدرة اللّه تعالى وقدرة العبد وهذا المذهب وسط بين الجبر والقدر.
وقيل: هو أقرب إلى الحق منهما لكونه مطابقا للعقل وموافقا لكتاب اللّه وكلام رسوله، ولما نقل عن الراسخين في العلم: أنه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، وهذا القول