حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 47
أي أنّا خلقنا كل شيء مقدرا مرتبا على مقتضى الحكمة، أو مقدرا مكتوبا في اللوح قبل وقوعه. و «كل شيء» منصوب بفعل يفسره ما بعده، وقرئ بالرفع على الابتداء. وعلى هذا فالأولى أن يجعل «خلقناه» خبرا لا نعتا ليطابق المشهورة في الدلالة على أن كل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منقول عن جعفر الصادق. كذا في شرح المصابيح للإمام الخلخالي. قال الإمام: كل فرقة في خلق الأعمال تذهب إلى أن القدري خصمها، فالجبري يقول: القدري من يقول الطاعة والمعصية ليستا بخلق اللّه تعالى وقضائه وقدره فهم قدرية لأنهم ينكرون القدر والمعتزلي يقول: القدري هو الجبري الذي يقول حين يزني العبد ويسرق اللّه تعالى قدر ذلك، فهو قدري لإثباته القدر حيث قال كل واحد من الخير والشر بقدر اللّه تعالى لا اختيار للعبد فيه.
والفريقان متفقان على أن القائل بأن الأفعال بخلق اللّه وكسب من العبد ليس بقدري.
والحق أن القدري هو الذي ينكر القدر رأسا وينسب الحوادث إلى الأوضاع الفلكية واتصالات الكواكب كما ذهب إليه كفار قريش فإنهم ما كانوا يقولون مثل ما يقوله المعتزلة من أن اللّه تعالى خلق لي سلامة الأعضاء وقوة الإدراك ومكنني من الطاعة والمعصية وهو قادر على أن يخلق فيّ الطاعة إلجاء والمعصية إلجاء، وعلى أن يطعم الفقير الذي أطعمه أنا بفضل اللّه تعالى وإقداره إياي عليه، بل كانوا يقولون: أنطعم من لو يشاء اللّه أطعمه، منكرين لقدرة اللّه تعالى على الإطعام. انتهى. قوله: (أي إنا خلقنا كل شيء مقدرا) إشارة إلى أن قوله تعالى: بِقَدَرٍ حال من كُلَّ شَيْءٍ وأنه بمعنى التقدير. ثم إن التقدير إما أن يحمل على تسوية صورته وشكله وصفاته الظاهرة والباطنة على مقدار مخصوص اقتضته الحكمة وترتبت عليه المنفعة المنوطة بخلقه كما في قوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2] بأن جعل جميع ما فيه من الأوضاع والأشكال موافقا لمقتضى الحكمة. وإما أن يحمل على تقديره في علمه الأزلي وكتبه في اللوح المحفوظ وهو القدر الذي يذكر في جنب القضاء. قال المصنف في شرح المصابيح: القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها. انتهى كلامه. فقوله تعالى: بِقَدَرٍ أي بتقدير وقضاء سبق من اللّه تعالى. قوله:
(وعلى هذا فالأولى أن يجعل خلقناه خبرا لا نعتا) يعني أن الجمهور على نصب «كل» على الاشتغال وحينئذ يتعين أن يكون «خلقناه» تأكيدا وتفسيرا لخلقنا المضمر الناصب لكل والتقدير: إنّا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر. ولا يجوز أن يكون «خلقناه» صفة لشيء لأن الصفة كما لا تعمل فيما قبل الموصوف لا تكون تفسيرا لما يعمل فيما قبلها أيضا، فإذا لم يجز كون «خلفناه» صفة تعين كونه تأكيدا أو تفسيرا للمضمر الناصب بخلاف ما إذا رفع «كل