حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 48
شيء مخلوق بقدر. ولعل اختيار النصب ههنا مع الإضمار لما فيه من النصوصية على المقصود.
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ إلا فعلة واحدة وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة، أو إلا كلمة واحدة وهو قوله: كُنْ* كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) في اليسر والسرعة. وقيل:
معناه معنى قوله: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ [النحل: 77]
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أشباهكم في الكفر ممن قبلكم. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) متعظ
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) مكتوب في كتب الحفظة
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من الأعمال مُسْتَطَرٌ (53) مسطور في اللوح.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) أنهار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شيء» على الابتداء لأنه حينئذ يجوز أن يكون «خلقناه» صفة «لكل شيء» و «بقدر» خبرا فيكون المعنى: كل شيء موصوف بكونه مخلوقا لنا فهو بقدر وقضاء سابق من اللّه تعالى.
والمفهوم أن من الموجودات ما هو مخلوق لغير اللّه تعالى وأنه ليس بقدر كما تقوله المعتزلة. ويجوز أن يكون «خلقناه» خبرا لا نعتا وحينئذ تكون قراءة الرفع موافقة لقراءة النصب في الدلالة على أن الأشياء كلها مخلوقة للّه تعالى بقدر كما هو مذهب أهل السنة.
قوله: (ولعل اختيار النصب ههنا) جواب عن ما يقال: كيف اختار الجمهور قراءة النصب مع أن التركيب من قبيل قولك: زيد ضربته، والمختار فيه الرفع لأن النصب يحتاج إلى حذف العامل أو إضماره والأصل عدمهما، بخلاف الرفع فإنه بعامل معنوي لا يتلفظ به حتى يقال حذف أو أضمر؟ وتقرير الجواب أنه على قراءة النصب يكون «كل شيء» باقيا على عمومه حيث لم يوصف ولم يخصص بالصفة فيكون الكلام نصا في الدلالة على المقصود وهو كون الأشياء بأسرها مخلوقة للّه تعالى بقدر، بخلاف قراءة الرفع فإن قوله: «خلقناه» حينئذ وإن جاز كونه خبرا فيكون الكلام دليلا على ما هو المقصود إلا أنه يجوز كونه نعتا لا خبرا فلا يفيد الكلام ما هو المقصود فاختير قراءة النصب لما فيها من النصوصية على المقصود.
والمشهور أن قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ متعلق بما قبله كأنه قيل: ذوقوا مس سقر فإن كل شيء خلقناه بقدر. ويجوز أن يكون متعلقا بجميع ما ذكر في السورة من إهلاك الأشرار وإنجاء الأخيار، ووعيد أهل مكة من المشركين ووعد المؤمنين. ثم بيّن أن خلق الكائنات أهون شيء عليه وأيسره فقال: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ واللمح النظر بسرعة واختلاس يعني أن قضائي وخلقي أيسر وأسرع من لمح البصر، والمقصود تهديد المشركين بالإهلاك فلذلك عقبه بقوله: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ ثم بيّن أن عقوبة الأشياع المهلكين لم تتم بهلاك الدنيا بل ينضم إليها عقاب الآخرة فقال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ يعني الأشياع قبلكم فِي الزُّبُرِ أي مكتوب في دواوين الحفظة على الزبر جمع زبور وهو فعول بمعنى مفعول من زبره إذا كتبه. وتنكير «جنات» للتعظيم أي في جنات لا يوصف نعيمها وما