حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 59
اللّه أو من الأرض. لا يَبْغِيانِ (20) لا يبغي أحدهما على الآخر بالمارجة وإبطال الخاصية، أو لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (22) كبار الدر وصغاره. وقيل: المرجان الخرز الأحمر وإن صح أن الدر يخرج من الملح فعلى الأول إنما قال: «منهما» لأنه يخرج من مجتمع الملح والعذب، أو لأنهما لما اجتمعا صارا كالشيء الواحد فكان المخرج من أحدهما كالمخرج منهما. وقرأ نافع وأبو عمرو ويعقوب «يخرج» وقرئ «نخرج» و «يخرج» بنصب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإن صح أن الدر يخرج من الملح) جواب عما يقال: اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح فكيف قيل «منهما» . وقوله: «وإن صح» إشارة إلى أن خروج الدر من الملح فقط ليس بقطعي. وظاهر كلام اللّه تعالى أولى بالاعتبار مما يزعم بعض الناس، فإنه من المعلوم أن في البر أشياء تخفى على التجار المترددين فيه فكيف بما في قعر البحر؟ وعلى تقدير تسليم أنه يخرج من الملح فقوله: «فعلى الأول» أي على أن يراد بالبحرين الملح والبحر العذب. وأما إذا أريد بهما بحرا فارس والروم فلا سؤال ولا توجيه لأن كلا منهما ملح.
ومعنى قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا أنه يحصل ويتكون بسبب اجتماع الملح والعذب والتقائهما بأن يكون أحدهما بمنزلة اللقاح للآخر فيصدق أن يقال: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان مع خروجهما من الملح دون العذب، كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى وإنما تلده الأنثى. فقوله: «لأنه يخرج من مجتمعهما» أي من اجتماعهما على أن يكون المجتمع مصدرا ميميا، فإن الغواصين يقولون إنهما إنما يخرجان من الملح في الموضع الذي يقع فيه العذب. وقيل: مِنْهُمَا على حذف المضاف أي من أحدهما كقوله تعالى: نَسِيا حُوتَهُما [الكهف: 61] أي نسي أحدهما وقوله: عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ [الزخرف: 31] أي إحدى القريتين. قوله: (وقرأ نافع وأبو عمرو ويعقوب يخرج) بضم الياء وفتح الراء، والباقون بفتح الياء وضم الراء. وقرئ «نخرج» بضم النون و «يخرج» بضم الياء أي يخرج اللّه تعالى. واعلم أن أصول المركبات وأركانها أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فبيّن اللّه تعالى بقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ أن التراب أصل لمخلوق شريف مكرم، وبيّن بقوله: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ أن النار أيضا أصل لمخلوق آخر عجيب الشأن، وبيّن بقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ أن الماء أيضا أصل آخر لمخلوق آخر له قدر وقيمة. ثم ذكر أن الهواء له تأثير عظيم في جري السفن المشابهة للأعلام فقال: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ وخصها بالذكر لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه وهم معترفون بتلك حيث يقولون: لك الفلك ولك الملك، وإذا خافوا الغرق دعوا اللّه تعالى خاصة. قال تعالى: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ