حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 61
ولو استقريت جهات الموجودات وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها إلا وجه اللّه تعالى أي الوجه الذي يلي جهته.
ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (27) ذو الاستغناء المطلق والفضل العام
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (28) أي مما ذكرنا قبل وإبقاء ما لا يحصى مما هو على صدد الفناء رحمة وفضلا، أو مما يترتب على إفناء الكل من الإعادة والحياة الدائمة والنعيم المقيم
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإنهم مفتقرون إليه في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم ويعن لهم والمراد بالسؤال ما يدل على الحاجة إلى تحصيل الشيء نطقا كان أو غيره. كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) كل وقت يحدث أشخاصا ويجدّد أحوالا على ما سبق به قضاؤه.
وفي الحديث: من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين» وهو رد لقول اليهود: إن اللّه تعالى لا يقضي يوم السبت شيئا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشهورا. والعرب يخاطبون الكرام والرؤساء بقولهم: يا وجه العرب تشبيها لهم بالوجه الظاهر الذي هو أشرف الأجزاء والأعضاء التي يتوجه إليها في الشرف والظهور، وكونهم متوجها إليهم فإنه تعالى ظاهر بأوليته ظهور الإنسان بوجهه. ثم أشار إلى أنه لا حاجة إلى جعل الوجه مستعارا من العضو المخصوص بل هو في الأصل بمعنى الجهة وأصل لها كالوعد والعدة. فمعنى الآية: كل من عليها من الثقلين وغيرهما فان ويبقى وجه اللّه تعالى.
قوله: (ولو استقربت الخ) إشارة إلى أن الوجه يجوز أن يكون كناية عن الجهة بناء على أن كل جهة لا تخلو عن وجه يتوجه إليه كما ذكر في قوله: فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: 56] أي كل من عليها من الثقلين وما اكتسبوه من الأعمال هالك ضائع إلا ما توجهوا به جهة اللّه وعملوه ابتغاء لمرضاته فإنه باق. قال الإمام النسفي: قيل: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ أي كل عمل يتقرب به إليه ويبتغي به وجهه أي رضاه أي يهلك الجن والإنس ولا يبقى لهم إلا ما توجهوا به إليه.
قوله: (ذو الاستغناء المطلق) تفسير لكونه تعالى ذا الجلال، فإن الجلال عبارة عن العظمة والكبرياء والاستغناء من حيث الذات والصفات والأفعال نهاية العظمة، وكونه تعالى ذا الإكرام عبارة عن كونه ذا الفضل العام. وقيل في تفسيره: الذي يجل ويكرم على كل ما يتصور، أو الذي يجله الموحدون ويكرمونه بالثناء كقولهم: ما أجلك وما أكرمك، أو الذي يجل عن إحاطة العقول والأفهام به في العزة والعلو ويكرم عباده المؤمنين بالتقرب والدنو، وهذه الصفة من عظائم صفات اللّه تعالى. روي عنه عليه أفضل الصلاة والسّلام أنه قال: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» . وعنه عليه الصلاة والسّلام أنه مر برجل وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال: «قد استجيب لك» وأشار المصنف إلى النعمة المدلول عليها بهذه الآية