حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 63
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (30) أي مما يسعف به سؤالكما وما يخرج لكما من مكمن العدم حينا فحينا
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (31) أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم وذلك يوم القيامة، فإنه تعالى لا يفعل فيه غيره وفيه تهديد مستعار من قولك: لمن تهدده سأفرغ لك فإن التجرد للشيء كان أقوى عليه وأجد فيه. وقرأ حمزة والكسائي بالياء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: إن مما خلق اللّه تعالى لوحا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور ينظر اللّه تعالى فيه كل يوم. الخ.
قوله: (أي سنتجرد لحسابكم) لما ورد أن يقال: ما وجه قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ مع أن عدم الفراغ عبارة عن أن يكون الفاعل في شغل لا يمكن معه فعل آخر؟ وهذا إنما يكون في حق من يشغله شأن عن شأن واللّه تعالى منزه عن ذلك. أشار إلى جوابه بوجهين:
الأول أنه من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث شبّه انتهاء الدنيا وما يتعلق بها من الشؤون من الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والمنع والإعطاء وتكوير الليل على النهار وبالعكس ونحو ذلك. وبقاء شأن واحد وهو مجازاة المكلفين بالثواب والعقاب بفراغ من يشغله شأن عن شأن من أشغاله وتجرد لهم واحد، فاستعملت العبارة الموضوعة للهيئة الثانية وهي الفراغ في الهيئة الأولى وهي انتهاء الشؤون إلى شأن واحد. ووجه الشبه ترتب مجازاة المكلفين على انتهاء شؤون الدنيا كما يترتب تعلق ذلك الشخص بمهمه على فراغه من سائر أشغاله وإمكان بين الترتبين فرق فاحش من حيث إن الترتب في الثاني مبني على ارتفاع المانع حيث كان سائر أشغاله مانعا عن تعلقه بذلك المهم ولا مانع في حقه تعالى، ومع ذلك أخر أمر المجازاة إلى قيام الساعة لحكمة اقتضته. قال ابن عيينة: الدهر عند اللّه يومان: أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه تعالى فيه الأمر والنهي والإماتة والإحياء والمنع والإعطاء، والآخر يوم القيامة فشأنه فيه الحساب والجزاء. والوجه الثاني من الجواب أنه تهديد ووعيد من اللّه تعالى للجن والإنس بالمحاسبة والجزاء على الأعمال من غير أن يشغله شأن عن شأن مستعار من قول الرجل لمن يهدده: سأفرغ لك أي سأتجرد للإيقاع بك عن كل ما يشغلني عنه حتى لا يكون لي شغل سواه يريد به التوفر على النكاية فيه والانتقام منه والاستقصاء في مجازاته. فهذه العبارة إذا صدرت عمن يشغله شأن عن شأن تكون كناية عن التوفر في النكاية، فإن من فرغ من كل شيء يعوقه عن النقمة والتعذيب تكون نكايته أشد وأقوى وإذا صدرت عمن لا يشغله شأن عن شأن تعذر حملها على أصل معناها، لأن المفروغ منه يجب أن يكون مانعا عن الملابسة للمفروغ له ولا يتصور المانع في حقه تعالى فتعيّن كونها مستعملة في التجرد للجزاء وحده من غير اعتبار الفراغ مما يمنع عنه تشبيها للتجرد المذكور بالفراغ مما يشغل عن الجزاء والانتقام والجامع التوفر في النكاية والانتقام، فاستعير اسم