حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 64
وقرئ «سنفرغ إليكم» أي سنقصد إليكم والثقلان الإنس والجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض أو لرزانة رأيهما وقدرهما، أو لأنهما مثقلان بالتكليف.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (32) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض هاربين من اللّه فارين من قضائه. فَانْفُذُوا أي فاخرجوا لا تَنْفُذُونَ لا تقدرون على النفوذ إِلَّا بِسُلْطانٍ (33) إلا بقوة وقهر وأنى لكم ذلك، أو إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السموات والأرض فانفذوا لتعلموا لكن لا تنفذون ولا تعلمون إلا ببينة نصبها اللّه فتعرّجون عليها بأفكاركم
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (34) أي التنبيه والتحذير والمساهلة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفراغ لمجرد التجرد للجزاء ثم اشتق منه قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ فهو استعارة تصريحية تبعية.
قوله: (لثقلهما على الأرض) الثقل ضد الخفة يقال: ثقل ثقلا مثل صغر صغرا، والثقل بالتحريك متاع المسافر وحشمه. شبّه الأرض بالحمولة التي تحمل الأثقال والجن والإنس جعلا أثقالا محمولة عليها ثقلا حسيا، وجعل ما سواهما كالعلاوة. ويجوز أن يكون إطلاق الثقلين عليهما من قبيل إطلاق القمرين على الشمس والقمر. قوله: (أو لرزانة رأيهما) أي لما لهما من الثقل المعنوي، فإن الثقل ما له وزن وقدر ولهما زيادة قدر على غيرهما لما خصوا بالعقل والتمييز وتحمل الأمانة والتكليف. ويجوز أن يكون الثقل بمعنى المثقل فإنهما مثقلان بالتكليف. قوله: (إلا بقوة) يعني أن السلطان القوة التي يتسلط بها على الأمر. لما بيّن اللّه تعالى أنه سيجيء وقت يتجرد فيه لمحاسبتهم ومجازاتهم وهددهم بما يدل على شدة اهتمامه بهما، كان مظنة أن يقال: فلم أخّر ذلك مع ما له من كمال الاهتمام به؟ أشار تعالى إلى جوابه بما محصوله أنهم جميعا في قبضة قدرته وتصرفه لا يفوته منهم أحد، فلم يتحقق باعث يبعثه على الاستعجال لأن ما يبعث المستعجل على الاستعجال إنما هو خوف الفوت وهو لم يخفف ذلك. قسم الدهر كله قسمين: أحدهما مدة أيام الدنيا والآخرة مدة يوم القيامة، وجعل المدة الأولى أيام التكليف والابتلاء والمدة الثانية للحساب والجزاء، وجعل كل واحد من الدارين محل الرزايا والمصائب ومنبع البلايا والنوائب ولم يجعل لواحد من الثقلين سبيلا للفرار منهما والهرب مما قضاه فيهما. فقوله: فَانْفُذُوا أمر تعجيز والمراد بيان أنهم لا مهرب لهم من قضاء اللّه ولا خروج لهم عن ملكه وأنهم لا يفوتونه ولا يعجزونه حتى لا يقدر عليهم. فظهر بهذا التقرير أن قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِ متعلق بقوله:
سَنَفْرُغُ لَكُمْ فكانا بمنزلة كلام واحد فلذلك فسر الآلاء في قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ بعد قوله: إِلَّا بِسُلْطانٍ بالتنبيه والإيقاظ والتحذير المستفاد من قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ وبالمساهلة والعفو المستفاد من قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما بعد قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ