حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 84
ولا يتفاوت
وَماءٍ مَسْكُوبٍ (31) يسكب لهم أين شاؤوا أو كيف شاؤوا بلا تعب أو مصبوب سائل، كأنه لما شبه حال السابقين في التنعم بأكمل ما يتصور لأهل المدن شبّه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتمناه أهل البوادي إشعارا بالتفاوت بين الحالين
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) كثيرة الأجناس
لا مَقْطُوعَةٍ لا تنقطع في وقت وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) ولا تمنع عن متناولها بوجه
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) رفيعة القدر أو منضدة مرتفعة. وقيل:
الفرش النساء وارتفاعها أنها الأرائك ويدل عليه قوله:
إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) أي ابتدأناهن ابتداء جديد من غير ولادة إبداء أو إعادة وفي الحديث: «هن اللواتي قبضن في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدنيا. قوله: (يسكب لهم) أي يصب لهم من مكان وله خرير وصفاء وهو أعجب المياه في مرأى العين. وقيل: ينصب من ساق العرش. وقال سفيان: يجزى من غير أخدود. وقيل:
دائم الجري لا ينقطع. وما أشار إليه من التعميم بقوله: «أين شاؤوا وكيف شاؤوا» هو مستفاد من عدم ذكر متعلق مسكوب. قوله: (أو مصبوب سائل) أي جار لا ينقطع يعني كون الماء مسكوبا إما عبارة عن كونه ظاهرا مكشوفا كثيرا، أو عن كونه جاريا غير منقطع أبدا.
وروي عن الإمام أنه قال: معناه مسكوب من فوق لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك ولا يسكب. وقيل: جار في غير أخدود بل يجري في الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية وبلاد حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدلو والرشاء فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: (لما شبه حال السابقين في التنعم بأكمل ما يتصور لأهل المدن) أي من الاستقرار على السرر. شبّه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتمناه أهل البوادي من خلال السدر والظل والماء الموصوف بالأوصاف المذكورة. قوله: (لا تنقطع في وقت) أي من الأوقات حتى وقت الأخذ بل ينبت مكانها مثلها. قوله: (ولا تمنع عن متناولها بوجه) كبعد المتناول وانعدام ثمن يشتري به وشوك في الشجر يؤذي من يقصد تناولها وحائط يمنع التوصل إلى شجرها بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها بلا تعب. قال تعالى:
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [الإنسان: 14] . قوله: (أو منضدة) أي مبسوطة بعضها فوق بعض يقال: نضد متاعه ينضده من باب ضرب إذا وضع بعضه على بعض. قيل: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلا بعد سبعين خريفا. قوله: (ويدل عليه) أي على أن المراد بالفرش النساء وجه الدلالة ظاهر، ومن حمل الفرش على ظاهرها جعل ضمير «أنشأناهن» راجعا إلى قوله: و «حور عين» أو إلى النساء المدلول عليهن بذكر الفرش لأنها تبسط لأن يضطجع الرجل عليها مع أهله بناء على أن العرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا. قوله: (إبداء أو إعادة) الأول على أن يكون المراد بالمنشآت الحور اللاتي أنشأهن اللّه تعالى في الجنة إنشاء أي إنشاء عجيبا من غير ولادة، والإعادة على أن يكون المراد بهن