حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 85
دار الدنيا عجائز شمطا رمصا جعلهن اللّه بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا»
فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (36) عُرُبًا متحيبات إلى أزواجهن. جمع عروب وسكن راءه حمزة، وروي عن نافع وعاصم مثله. أَتْرابًا (37) فإن كلهن بنات ثلاث وثلاثين وكذا أزواجهن
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (38) متعلق بأنشأنا أو جعلنا أو صفة لأبكارا أو لأترابا أو خبر لمحذوف مثل هن، أو لقوله:
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) وهو على الوجوه الأول خبر محذوف
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (41) فِي سَمُومٍ في حر نار ينفذ في المسام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نساء الدنيا. ومما يدل على أن المراد بهن نساء الدنيا قوله تعالى: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا لأن المنشآت في الجنة لا شك في كونهن أبكارا. والجعل بمعنى التصيير يستدعي أن يكن قبل ذلك ثيبات. ويدل عليه أيضا أن أم سلمة رضي اللّه عنها سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عنها قال: «يا أم سلمة هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا» . وفي رواية «عمشا» مكان «شمطا» جعلن بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. فلما سمعت عائشة رضي اللّه عنها ذلك قالت: واوجعاه. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس هناك وجمع» . وقالت عجوز لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ادع اللّه تعالى أن يدخلني الجنة. فقال عليه الصلاة والسّلام: «إن الجنة لا يدخلها العجائز» فولت تبكي فقال عليه الصلاة والسّلام:
«أخبروها أنها ليست يومئذ بعجوز» . وقرأ الآية عُرُبًا أَتْرابًا والشمط جمع شمطاء يقال:
رجل أشمط وامرأة شمطاء وجمعها شمط إذا خالط بياض شعر رأسه سواده. والعمش في العين ضعف الرؤية مع سيلان دمعها في أكثر الأوقات، والرجل أعمش والمرأة عمشاء.
والرمص وسخ يجتمع في المؤق والرجل أرمص والمرأة رمصاء. قوله: (جمع عروب) كرسل ورسول من أعرب إذا بين، والعروب تبين محبتها لزوجها بالغنج وحسن الشمائل وطيب النفس والملاعبة بما ينشطه في قربانها. قوله: (أو صفة لأبكارا أو لأترابا) أي مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين مثل أزواجهن، وقد أشار إليه المصنف بقوله: و «كذا أزواجهن» . قوله: (أو لقوله: ثلة من الأولين) فاللام سواء جعل لأصحاب اليمين صفة أو خبرا متعلقة بمحذوف هو الصفة أو الخبر. قوله: (في سموم) السموم في الأصل ريح حارة تدخل في مسام البدن. والمراد بها في الآية حر النار تشبيها له بالسم في نفوذه في المسام. ومسام البدن منافذه وثقبه. والحممة الفحم وفي الحديث: «لا يستنجي أحدكم بالحممة» أي بالفحم. والمعنى: إن الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة وهم أصحاب الشمال في مقاساة حر نار جهنم فتحترق بها أكبادهم وأجسادهم، فيستغيثون بالماء فيغاثون بماء حميم شديد الحرارة فيزدادون عذابا فوق عذابهم بحر النار، فيستغيثون بالظل فيغاثون