حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 86
وَحَمِيمٍ (42) وماء متناه في الحرارة
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) من دخان أسود يفعول من الحممة.
لا بارِدٍ كسائر الظل وَلا كَرِيمٍ (44) ولا نافع. نفى بذلك ما أوهم الظل من الاسترواح
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (45) منهمكين في الشهوات
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) الذنب العظيم يعني الشرك. ومنه: بلغ الغلام الحنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب، وحنث في يمينه خلاف بر فيها، وتحنث إذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بظل من يحموم، فإذا أتوه لم يجدوه باردا ولا كريما بل يكون ما لقوا فيه من العذاب أشد مما كانوا فيه قبل ذلك.
قوله: (ولا نافع) فإن الكرم صفة لكل ما يرضي ويحمد في بابه. قال الراغب: وكل شيء أشرف في بابه فإنه يوصف بالكرم. وعن الفراء: أن العرب تنفي كل شيء غير مستحسن بنفي الكرم فيقولون: الدار لا واسعة ولا كريمة. وقيل: الكريم ما كرم على غيره لانتفاعه به وما لا ينتفع به غيره لا يكون كريما. والظل يقصد لفائدتين: إحداهما برودته التي يستروح بها من يأوي إليه من غير أن يقصد به دفع أذى الحر عنه، وثانيهما مجرد دفع أذى الحر عمن يأوي إليه مع قطع النظر عن أن يفيده روح البرد أو من غير أن يفيده البرد أصلا كالبيوت المسدودة الأطراف بحيث لا يتحرك فيها الهواء، فإن من يأوي إليها يتخلص بها من أذى حر الشمس وإن لم يستروح ببردها وظل اليحموم ليس فيه شيء من هاتين الفائدتين.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ [المرسلات: 30، 31] . قوله: (نفى بذلك) أي بقوله: لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ما أوهم الظل من الاسترواح يعني مقتضى الظاهر أن يقال: ويحموم حار ضار إلا أنه عدل عن ذلك إلى قوله: وَظِلٍ للتهكم بهم من حيث إن الظل يوهم الروح والبرد. ثم لما نفى عنه ما هو المطلوب من الظل وهو البرد والكرم تعيّن أن ذكر الظل إنما هو للسخرية والتهكم بهم والتعريض بأن الذين يستأهلون الظل البارد الكريم غيرهم أي غير هؤلاء ازديادا لتحسرهم وتأسفهم. ثم إنه تعالى ذكر أعمالهم التي أوجبت لهم هذا العذاب فقال: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ أي قبل أن يصيروا إلى هذا العذاب في الدنيا مُتْرَفِينَ يقال: أترفته النعمة إذا أطغته ومن لم يتوسل بما أنعم اللّه تعالى عليه من النعم إلى رعاية مقتضى العبودية، بل صرفه إلى ما يشتهيه فقد أترف وطغى فعل هذا المترف صفة ذم كالإصرار على الحنث. وقيل: الترفه النعمة والمترف المنعم فهو في حد نفسه ليس للذم وإنما حصل الذم بقوله: وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ فإن صدور المعاصي ممن كثرت النعم عليه أقبح القبائح فكأنه قيل: إنما استحقوا هذه العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا منعمين ولم يشكروا نعم اللّه تعالى عليهم بل أصروا على الذنب العظيم. والحكمة في ذكر سبب عذابهم مع أنه لم يذكر في أصحاب