فهرس الكتاب

الصفحة 4879 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 90

أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف. وقرئ بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها.

أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ تجعلونه بشرا سويا أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكون المراد فهلا تصدقون بأنا خلقناكم؟ ولما ورد عليه أنه ما معنى التحضيض على التصديق بالخلق وهم مصدقون بأنه تعالى خلقهم وأنشأهم أول مرة والتحضيض إنما يتصور على ما لم يحصل بعد؟ أشار إلى جوابه بقوله: «متيقنين محققين للتصديق» بذلك بأن تعملوا على مقتضى ذلك، فإنهم لما أنكروا البعث والنشأة الثانية وعملوا على حسب ما يقتضيه هذا الإنكار من الإصرار على الكفر والانهماك في الشهوات كأنهم كانوا مكذبين بالنشأة الأولى، فإن المصدق إذا لم يجر على موجب تصديقه يكون بمنزلة المكذب فالتحضيض في الحقيقة تخضيض على الأعمال التي هي نتيجة التصديق بالخلق وثمرته. فقول المصنف: «بالأعمال الدالة عليه» متعلق بقوله: «محققين بالخلق أو بالبعث» يعني أن قوله تعالى: فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ تحضيض على التصديق بمعنى: فهلا تصدقون. والتصديق لا بد له من مصدق ولم يذكر ذلك، فيحتمل أن يكون المراد التحضيض على التصديق بالخلق الأول فإنهم وإن كانوا مصدقين به كقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25] إلا أنهم منزلون منزلة المكذب من حيث إنهم لا يجرون على ما يقتضيه ذلك التصديق وهو الإيمان والطاعة، وقد تقرر أن العالم بالشيء ينزل منزلة الجاهل به إذا لم يجر على مقتضى علمه، فهم لما أصروا على الكفر واتباع الشهوات صاروا بمنزلة من يكذب بالخلق الأول فصح تحضيضهم على التصديق به. ويحتمل أن يكون المراد تحضيضهم على التصديق بالبعث استدلالا بقوله: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ بالخلق الأول. ثم إنه تعالى لما قال: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ استدل بقوله: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ فإنه إلزام لهم على الاعتراف بأن الخالق في الابتداء هو اللّه تعالى، فإن المني أمر ممكن والممكن لا بد له من موجد غيره، وأن موجده لا يكون مخلوقا آخر وإلا لدار أو تسلسل فتعين أن خالقه هو اللّه الواحد القهار. كأنه لما قال: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ قال المشركون: خلقنا من النطف فرد عليهم بقوله: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أي إن زعمتم ذلك فأخبروني، ومفعولها الأول «ما تمنون» والثاني الجملة الاستفهامية يقال: مني الرجل النطفة وأمناها بمعنى أي صبها. فقوله تعالى: ما تُمْنُونَ سواء قرئ بفتح التاء أو بضمها معناه ما تصبونه في أرحام النساء. قال القرطبي: يحتمل عندي أن يختلف معناهما فيكون أمنى بمعنى أنزل عن جماع، ومني بمعنى أنزل احتلاما. وهذه الآية احتجاج عليهم وبيان للآية الأولى، وإذا ثبت عندكم أنّا خلقنا صورة الإنسان من النطفة المقذوفة في الأرحام فلتكن أعمالكم موافقة لهذا السلم أو فاعترفوا بالبعث أيضا، فإن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت