حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 91
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ قسمناه عليكم وأقتنا موت كل بوقت معين. وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال.
وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو يغير وقته، أو لا يغلبنا أحد من سبقته على كذا إذا غلبته عليه.
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ على الأول حال أو علة «لقدرنا» و «على» بمعنى اللام و «ما نحن بمسبوقين» اعتراض. وعلى الثاني صلة.
والمعنى: على أن نبدل منكم أشباهكم فنخلق بدلكم، أو نبدل صفاتكم على أن أمثالكم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قدر على الإبداء قدر على الإعادة وقوله تعالى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [القيامة: 37] يحتمل أن يكون من الثاني.
قوله: (قسمناه عليكم وأقتنا موت كل) يعني أن تقدير الموت بين القوم يتضمن معنيين: الأول جعله مقسوما عليهم والثاني جعل ما أصاب كل واحد منهم مخالفا لما أصاب الباقين منه، فاختلفت أعمارهم بذلك كما اختلفت الأرزاق المقسومة بينهم، فمنهم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم ومنهم من يموت شابا أو صبيا صغيرا. ولما كان تقدير الموت متضمنا لهما كان قوله تعالى: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ نفيا لأن يعجزه أحد عن كل واحد منهما ويفوت عن تنفيذ مشيئته في حقه بأن يتخلص من الموت أو يغير وقته المقدر. ويجوز أن لا يكون السبق بمعنى الفوات بل يكون بمعنى الغلبة كما يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته ولم تمكنه منه. قوله: (على الأول حال) يعني على تقدير أن يفسر قوله تعالى:
وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ بقوله: لا يفوتنا أحد بهربه من الموت أو بتغيير وقته يكون قوله تعالى: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ متصلا بقوله: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ إما أن يكون حالا من فاعل قدرنا أي قدرنا بينكم الموت عازمين على أن نبدل منكم أشباهكم بأن نهلككم ونأتي بأشباهكم مكانكم قرنا بعد قرن إلى وقت انقضاء الدنيا وعلى أن ننشئكم بعد فناء الدنيا فيما لا تعلمون من الصور والصفات، فالسعداء يبعثون على أحسن الصور والأشقياء على أقبحها وهم لا يعلمون ما ننشئ بذلك اليوم منها. وإما بأن يكون علة لقدرنا بأن تكون كلمة «على» بمعنى اللام وعلى هذا أي على تقدير كونه متصلا به بكونه حالا أو علة يكون قوله تعالى:
وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ اعتراضا حسنا لتقرير قدرته على ما يشاء. قوله: (وعلى الثاني صلة) أي إن فسر قوله تعالى: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ بلا يغلبنا أحد يكون قوله: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ صلته أي متعلقا بمسبوقين، فإن السبق بمعنى الغلبة يتعدى ب «على» كما أشار إليه بقوله: من سبقته على كذا إذا غلبته عليه ولأن نفي المغلوبية في إثبات القدرة، وهي تتعدى ب «على» فكذا ما بمعناها. قوله: (والمعنى على أن نبدل منكم أشباهكم) إشارة إلى أن أحد المفعولين وهو المتعدي إليه بحرف الجر محذوف، فإن الأمثال جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء.