حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 92
جمع مثل. وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) في خلق أو صفات لا تعلمونها
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (62) إن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى فإنها أقل صنعا لحصول المواد. وتخصيص الأجزاء وسبق المثال. وفيه دليل على صحة القياس.
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (63) تبذرون حبه.
أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم أشار إلى جواز أن يكون الأمثال جمع مثل بفتحتين وهو الصفة العجيبة الشأن أطلق عليها لفظ المثل تشبيها لها بالمثل السائر الممثل مضربه بمورده الذي هو المعنى العرفي للفظ المثل، والمعنى على أن نبدل صفاتكم ونغيرها وننشئكم في صفات وخلق وهيئات لا تعلمونها وما عهدتم نظائرها. قوله تعالى: (وَ نُنْشِئَكُمْ) عطف على «نُبَدِّلَ» أي وعلى أن ننشئكم، ثم إنه تعالى قرر إمكان النشأة الثانية وحرّض على التذكر والاستدلال من العلم بالنشأة الأولى على النشأة الثانية أي هلا تذكرون أن من قدر على النشأة الأولى بلا سبق مثال ومواد أخر فهو على الثانية أقدر فقال: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى أي الخلقة الأولى.
قوله: (وفيه دليل على صحة القياس) حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى بقوله: فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ فإن معناه فلولا تعلمون صحة النشأة الثانية قياسا على الأولى، وترك القياس إذا كان جهلا كان القياس علما وكل ما كان من قبيل العلم فهو صحيح.
وفي الخبر: عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور. واعلم أنه تعالى احتج على المشركين الذين أنكروا البعث بقوله: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ثم حملهم على أن يعترفوا بتفرده في خلق النطفة التي هي مادة تكونهم فقال: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ الخ ثم حملهم على أن يعترفوا بتفرده في خلق ما به يعيشون ويكون سببا لبقائهم في المأكول والمشروب وما هو سبب لإصلاح المأكول غالبا وهو النار، فذكر من كل نوع ما هو الأصل فيه فذكر من المأكول الحب لأنه الأصل فيه، ومن المشروب الماء كذلك، ومن المصلحات النار لكونها سببا لإصلاح أكثر الأغذية وأدخل في كل واحد منها ما هو دونه فقال: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي أخبروني ما تحرثونه، أضيف الحرث إليهم والزرع إليه تعالى لأن الحرث الذي هو إلقاء البذر في الأرض فعلهم من حيث إن اختيارهم له مدخل فيه بخلاف الزرع فإنه خالص فعل اللّه تعالى، فإن إنبات الحب وإخراج الأوراق والساق والسنبل منه لا مدخل لاختيار العبد فيه أصلا. روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يقولن أحدكم زرعت ولكن ليقل حرثت، فإن الزارع هو اللّه تعالى وحده» . ثم قال أبو هريرة: أما سمعتم قوله تعالى: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ قال القرطبي: المستحب لكل من حرث شيئا