حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 128
غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أي ليعلموا. و «لا» مزيدة ويؤيده أنه قرئ «ليعلم» و «لكي يعلم» ولأن يعلم بإدغام النون في الياء. أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ «أن» هي المخففة والمعنى: أنه لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله ولا يتمكنون من نيله لأنهم لم يؤمنوا برسوله وهو مشروط بالإيمان به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحائف أعمالهم. وقيل: المراد به الهدى والبيان الذي يتبعه المؤمن ويسلك به سلوكا معنويا إلى جناب القدس وهو سبيل واضح يؤدي سالكه إلى مرضاة الرحمن. قوله: (ولا مزيدة) فإنها تزاد كثيرا كما في قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف: 12] واللام في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ متعلقة بمعنى الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير أن تتقوا اللّه وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا ليعلم أهل الكتاب الذين أدركوا عصره عليه الصلاة والسّلام ولم يؤمنوا به أن الشأن لا يقدرون أي ليعلموا عدم قدرتهم على شيء مما ذكر من فضله، وهما الكفلان من رحمته والنور والمغفرة، ويعلموا أن الفضل بيد اللّه يتفضل به على من يشاء من عباده فيؤتي المؤمنين منهم أجرين ونورا ومغفرة. قوله: (وهو مشروط بالإيمان به) لأن قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مجزوم على أنه جواب الأمر وقد تقرر أن المضارع إنما ينجزم بعد الأمر لتضمن الأمر معنى الشرط، وكون المضارع المجزوم في موضع الجزاء له ومتوقفا على حصوله وذلك لأن الفعل المطلوب بصيغة الأمر قد يكون مطلوبا لنفسه فلا ينجزم بعده الفعل وقد يكون مطلوبا لغيره فبذكر ذلك الغير بعده مجزوما لكونه في معنى الجزاء لما قبله. ومعنى كون الفعل المطلوب بصيغة الأمر مطلوبا لغيره كون ذلك الغير متوقفا على حصوله وتوقف غيره عليه هو معنى كونه شرطا له. روي أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يفضلون أنفسهم على سائر أهل الأديان بسبب كونهم أهل الكتاب ويقولون: الوحي والرسالة فينا والكتاب والشرع ليس إلا لنا، وأنه تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين. فأنزل اللّه تعالى هذه الآية فخاطب فيها من آمن بالرسل المتقدمة فقال لهم: إنكم إن تتقوا اللّه وتؤمنوا برسوله يؤتكم اللّه تعالى في الآخرة كفلين من رحمته ثم قال: فعلنا ذلك وبينّاه لكم ليعلم أهل الكتاب أن الشأن لا أجر لهم ولا نصيب من فضل اللّه وإن كانوا مجتهدين في التدين بدين من بعث قبله لأنه كفر بما فرض اللّه عليهم في ذلك الوقت فأحبط أعمالهم. والمقصود من إنزالها أن يزول عن قلوب من لم يؤمن به عليه الصلاة والسّلام من أهل الكتاب اعتقاد أنهم مفضلون على سائر أهل الأديان من حيث كونهم أصحاب كتاب إلهي، فإن مجرد كون الكتاب منزل من عنده تعالى لا يوجب بقاء حكمه أبدا، وكون من تمسك به مفضلا على غيره لأن الحكمة الإلهية قد تقتضي كون بعض أحكامه موقتا بوقت متعين فينتهي ذلك الحكم بمجيء ذلك الوقت ويكون منسوخا فيه ويظهر