حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 129
أو لا يقدرون على شيء من فضله فضلا أن يتصرفوا في أعظمه وهو النبوة فيخصونها بمن أرادوا. ويؤيده قوله: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وقيل: «لا» غير مزيدة. والمعنى: لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شيء من فضل اللّه ولا ينالونه، فيكون و «أَنَّ الْفَضْلَ» عطفا على أن «لا يَعْلَمَ» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ذلك حكم جديد. ولا فضل للمرء في اتباع الحكم المنسوخ وإنما الفضل بتقوى اللّه تعالى وطاعته فيما كلف به في كل وقت، فلذلك كان أجر من اتبع الدين القويم ودام على اتباعه إلى زمان بعثة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ثم إذا علم ببعثته آمن به واتبع دينه ضعف أجر من مات قبله، وأما من أدرك عصره ولم يؤمن به فليس له شيء من الأجر لكون أعماله محبطة بالكفر به.
قوله: (أو لا يقدرون على شيء من فضله الخ) فإنهم كانوا لا يعدونه عليه الصلاة والسّلام أهلا لأن يبعث رسولا وينزل عليه الكتاب ويقولون: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] فبيّن تعالى بهذه الآية أن من آمن به عليه الصلاة والسّلام هو الذي يضاعف أجره ويجعل له النور والمغفرة ثم قال: فعلنا ذلك ليعلموا أن ليس لهم التصرف في أمر النبوة. وقيل: كلمة «لا» ليست بمزيدة وأن الضمير في «لا يقدرون» ليس لأهل الكتاب بل هو للنبي والمؤمنين والمعنى: فعلنا ذلك وبينّاه لئلا يعتقد أهل الكتاب أن الشأن لا يقدر النبي والمؤمنون به على شيء من فضل اللّه. ولما ورد أن يقال: كيف يصح هذا الوجه مع أنه يستلزم أن يكون المعنى ولئلا يعلم أهل الكتاب أن الفضل بيد اللّه؟ ومن المعلوم أن انتفاء علمهم به ليس مما يصح أن يقصد فضلا عما ذكر. ووجه الملازمة أن قوله: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ معطوف على مفعول العلم المنفي البتة فيلزم أن يكون المعنى ما ذكر. أشار إلى دفعه بقوله: «فيكون و «أن الفضل» عطفا على أن «لا يعلم» أي لا نسلم كونه معطوفا على مفعول العلم المنفي بل هو علة معطوفة على العلة السابقة أي فعلنا ذلك لئلا يعلم أهل الكتاب أن المؤمنين لا يقدرون على شيء ويعتقدوا ويعلموا أن الفضل بيد اللّه، وليس في هذا القول إلا زيادة إضمار في قوله: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ بأن يكون تقدير الكلام: ويعتقدوا أن الفضل بيد اللّه. وأما القول الأول فقد افتقرنا فيه إلى جعل اللفظ الموجود صلة والإضمار أولى من الحذف. قوله: (فيكون وإن الفضل عطفا على أن لا يعلم) أي بتقدير فعل وتقدير الكلام لئلا يعتقد أهل الكتاب أن الشأن لا يقدر النبي ومن آمن به على شيء من فضل اللّه، وليعتقدوا أن الفضل بيد اللّه. قيل: وليس في هذا القول إلا زيادة إضمار وهي قوله: وليعتقدوا أن الفضل. وأما القول الأول فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجود ملحوظ، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف لأن الكلام إذا افتقر إلى