حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 141
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كليا وجزئيا ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ ما يقع من تناجي ثلاثة. ويجوز أن يقدر فطاف، أو يؤول نجوى بمتناجين ويجعل ثلاثة صفة لها. واشتقاقها من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فإن السر أمر مرفوع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد أن يطلع عليه. إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ إلا اللّه يجعلهم أربعة من حيث إنه يشاركهم في الاطلاع عليها والاستثناء من أعم الأحوال وَلا خَمْسَةٍ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا علانية. قوله: (ما يقع من تناجي ثلاثة) إشارة إلى أن «كان» تامة وأن «نجوى» مصدر بمعنى التناجي وهو المكالمة سرا، وأن «ثلاثة» مجرور بإضافة نجوى إليه من قبيل إضافة المصدر إلى فاعله. يقال: نجوته نجوى إذا ساررته، والقوم تناجوا أي تساروا، ومن نجوى فاعل كان و «من» زائدة أي ما يحدث وما يقع نجوى ثلاثة نفر إلا وهو تعالى رابعهم. ويجوز أن يقدر مضاف ويكون التقدير ما يقع من ذوي نجوى ثلاثة أو أهل نجوى ثلاثة وأن يؤول المصدر وهو النجوى بالمتناجين على طريق التوصيف بالمصدر مبالغة. وعلى التقديرين:
يكون «ثلاثة» مجرورا إما على الأول فعلى أنه صفة للمضاف المقدر، وإما على الثاني فعلى أنه صفة لنجوى بمعنى متناجين. والنجوة والنجا ما ارتفع من المكان الذي تظن أنه نجاك من حيث إنه لا يعلوه السيل اشتق منه النجوى لما ذكره من أن السر أمر مرفوع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد أن يطلع عليه.
قوله: (إلا اللّه يجعلهم أربعة) اعلم أن الواحد من المتعدد يعتبر على وجهين: الأول أن يصير ذلك الواحد العدد الناقص عن عدد مأخذ ذلك الواحد باعتبار حاله ومرتبته في التعدد إلى العدد الذي اشتق هو منه، والثاني أن يصير واحدا من هذا العدد تقول فيه الثاني والثالث بمعنى واحد من الاثنين وواحد من الثلاثة، أي إن أضفته إلى عدد هو مأخذ هذا الواحد لا إلى عدد ناقص منه بواحد فتقول: ثاني اثنين وثالث ثلاثة ورابع أربعة، وإن أضفته إلى العدد الذي هو أنقص من العدد الذي اشتق منه هذا المصير بدرجة تضيف الواحد باعتبار التصيير إلى العدد الناقص من مأخذه فتقول: ثالث اثنين ورابع ثلاثة وتريد مصير اثنين ثلاثة ومصير ثلاثة أربعة. فالمصنف جعل قوله تعالى: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وإِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ من قبيل الواحد من المتعدد باعتبار تصييره لإضافته إلى العدد الذي هو أنقص من العدد الذي اشتق منه هذا المصير بدرجة وهو الثلاثة والخمسة، فمعنى رابع ثلاثة مصير ثلاثة أربعة ومعنى سادس خمسة مصير خمسة ستة والمفرد من المتعدد باعتبار حاله ومرتبته في التعدد لا يضاف إلا إلى عدد يساوي العدد الذي اشتق منه ما يدل على هذا المفرد فيقال: رابع أربعة وثالث ثلاثة وثاني اثنين أي أحدها. قوله: (والاستثناء من أعم الأحوال) يعني أن قوله: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وإِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وإِلَّا هُوَ مَعَهُمْ كل واحد من هذه الجمل بعد «إلا» في