حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 144
يدخلونها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) جهنم
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ كما يفعله المنافقون. وعن يعقوب «فلا تنتجوا» . وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء عن معصية الرسول. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) فيما تأتون وتذرون فإنه مجازيكم عليه.
إِنَّمَا النَّجْوى أي النجوى بالإثم والعدوان مِنَ الشَّيْطانِ فإنه المزين لها والحامل عليها. لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا بتوهمهم لأنها في نكبة إصابتهم وَلَيْسَ الشيطان أو التناجي بِضارِّهِمْ بضار المؤمنين شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بمشيئته. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) ولا يبال بنجواهم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض من قولهم: افسح عني أي تنح. وقرئ «تفاسحوا» والمراد بالمجلس الجنس ويدل عليه قراءة عاصم بالجمع أو مجلس رسول اللّه عليه السّلام فإنهم كانوا يتضامون به تنافسا على القرب منه وحرصا على استماع كلامه. فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ فيما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اليهود فيما بينهم: إذا كان رسولا كما يقول فلم لا يستجاب دعاؤه علينا. فنزل قوله تعالى:
وَإِذا جاؤُكَ الآية وقولهم: أنعم صباحا من النعومة أي ليصر صباحك ناعما لينا لا بؤس فيه ولا شدة. قوله: (وعن يعقوب فلا تنتجوا) بمعنى فلا تتناجوا. في الصحاح: النجو السر بين اثنين يقال: نجوته نجوا أي سأررته وكذلك ناجيته، وانتجى القوم وتناجوا أي تساروا، والنجي على فعيل هو الذي تساره.
قوله: (أي النجوى بالإثم) يعني أن تعريف النجوى للعهد الخارجي من جهة الشيطان وتسويله لهم ذلك. قوله: (توسعوا فيه) الفسحة الوسعة والفسيح الواسع، وفسح له في المجلس يفسح أي وسع له، وهو من باب منع يمنع وفسح يفسح فساحة مثل كرم يكرم أي صار واسعا. قال القرطبي: لما بيّن أن اليهود يحيونه بما لم يحيه به اللّه وذمهم على ذلك، وصل به الأمر بتحسين الأدب في مجالسة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى لا يضيقوا عليه المجلس، وأمر المسلمين بالتعاطف والتألف بأن يفسح بعضهم لبعض وتطيب نفسه بذلك ولا يتحرج بالمزاحمة حتى يتمكنوا من الاستماع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. ثم قال: والصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر سواء كان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة، ولا يختص بمجلس رسول للّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأن كل أحد أحق بمكانه الذي سبق إليه لقوله عليه الصلاة والسّلام: «من سبق إلى من لم يسبق إليه فهو أحق به، ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرج لضيق موضعه» . وعنه عليه الصلاة والسّلام:
«لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخلفه في مقعده فيقعد فيه ولكن يقول افسحوا» .