حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 149
قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني اليهود ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك. وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وهو ادعاء الإسلام. وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أن المحلوف عليه كذب كمن يحلف بالغموس. وفي هذا التقييد دليل على أن الكذب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف. هذا كلام الإمام. ولا حاجة إلى هذا التكلف بما أشار إليه المصنف بقوله: «بأن رخص لكم أن لا تفعلوه» فتأمل. ثم إنه تعالى لما وبخ اليهود والمنافقين وهددهم بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى إلى قوله:
حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ثم ساق الكلام إلى هنا عاد إلى ذم المنافقين بموالاتهم اليهود فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا الآية التولي مرافقة العدو يقال منه تولاه. قوله: (كمن يحلف بالغموس) فإن المحلوف عليه فيه كذب. والغموس أن يحلف على أمر قد مضى بأنه قد وقع أو لم يقع وهو يعلم أنه كاذب، وإن حلف على أمر قد مضى وهو يظن أن الأمر كما قال وهو ليس كذلك في نفس الأمر فهو لغو. وروي عن عائشة رضي اللّه عنها: أن اللغو ما يجري على اللسان من غير قصد اليمين سواء كان في أمر قد مضى أو في أمر سيكون مثل أن يقول: لا واللّه أو بلى واللّه. ويروى عن أبي حنيفة مثله.
وسميت الأولى غموسا لأنها تغمس صاحبها في الذنب ثم في النار. قال عليه الصلاة والسّلام: «الكبائر الإشراك باللّه وعقوق الوالدين وقتل النفس بغير حق واليمن الغموس» . ولم يجعل حلف المنافقين على الكذب غموسا بل شبهه به في كون الحالف متعمدا للكذب، لأن الغموس هو الحلف على الماضي متعمدا للكذب وحلفهم ليس كذلك بل هو حلف على الحال. قوله: (وفي هذا التقييد دليل الخ) اعلم أنه لا واسطة بين الصدق والكذب عند الجمهور، فإن صدق الخبر عندهم عبارة عن مطابقة حكمه للواقع وكذبه عبارة عن عدم مطابقته له. وقال النظام: صدق الخبر مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ غير مطابق للواقع وكذبه عدم مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ فقول من يقول: السماء تحتنا معتقدا ذلك صدق، وقوله: السماء فوقنا غير معتقد كذب عنده وعند الجمهور بالعكس. وقال الجاحظ: صدقه مطابقته للواقع مع الاعتقاد بأنه مطابق وكذب الخبر عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد أنه غير مطابق له، فالخبر إنما يكون كاذبا لمجموع الأمرين عنده وهما عدم مطابقة حكمه للواقع وعلم المخبر بعدم مطابقته له. فاستدل المصنف على فساد قول الجاحظ بهذه الآية فقال: لو اعتبر في كذب الخبر علم المخبر بعدم مطابقة حكمه للواقع لكان تقييد قوله: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ بالجملة الحالية وهي قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ خاليا عن الفائدة لأن كذب المحلوف عليه إذا استلزم علم المخبر بعدم مطابقة حكمه للواقع لزم أن يكون قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ ضائعا بلا فائدة بخلاف ما إذا كان كذب