حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 169
خَصاصَةٌ حاجة من خصاص البناء وهي فرجه. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق. فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل.
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ هم الذين هاجروا بعد حين قوي الإسلام والتابعون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنس رضي اللّه عنه أهدى إلى رجل من الأنصار رأس شاة مشوي وكان مجهودا فقال: لعل جاري أحوج إليه مني. فبعثه إلى جاره فتداوله تسعة نفر ثم عاد إلى الأول فأنزل اللّه تعالى:
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية فإن قيل: كيف استحقوا المدح بإيثار الغير على أنفسهم عند حاجتهم وقد نطقت الأخبار بأن أفضل دينار ما ينفقه الرجل على نفسه وعياله، وبه أمر عليه السّلام من سأله عن التصدق؟ قلنا: الأحاديث فيمن لم يثق بالصبر على الفقر لأنه يخشى عليه التعرض للمسألة، والآية وردت في الأنصار فإنهم لم يكونوا بهذه الصفة بل كما وصفهم اللّه تعالى في قوله: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [البقرة: 177] وإيثار مثلهم أفضل. والإيثار تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الأخروية.
حكي عن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري ومعهم أرغفة معدودة لا تكفي إلا قليلا، فكسروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام، فلما فرغوا فإذا الطعام بحاله لم يأكل أحد منهم شيئا منه إيثارا لصاحبه على نفسه. قوله:
(وهي فرجه) شبّه حالة الفقر والحاجة بفرج البناء في اشتمال كل واحدة منهما على معنى النقصان والاحتياج إلى المصلح. قوله: (حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق) إشارة إلى أن الشح أشد من البخل كما أشار إليه الجوهري بقوله: الشح البخل مع حرص، فإن البخيل يبغض الإنفاق والحريص يحب المال، فمن جمعهما صار شحيحا. قيل: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله عن مستحقه إنما الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له. وروي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال: «اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» . وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: الشح أضر من الفقر لأن الفقير إذا وجد شبع. والشحيح إذا وجد لا يشبع أبدا. وكل ذلك يدل على أن الحرص معتبر في مفهوم الشح وإنما أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها.
قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) عطف أيضا على المهاجرين ولم يصرح بذلك فيه اكتفاء بذكره فيما سبق فيكون «يُحِبُّونَ» حالا من فاعل «تَبَوَّؤُا» و «يَقُولُونَ» حالا من فاعل «جاؤُ» ، فلما كانت الآيات معطوفا بعضها على بعض وكان المراد بقوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ التابعين لهم بإحسان استوعبت الآية جميع المؤمنين الذين كانوا شركاء في