حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 172
على الفرض والتقدير لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ انهزاما. ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (12) بعد بل نخذلهم ولا ينفعهم نصرة المنافقين، أو نفاقهم إذ ضمير الفعلين يحتمل أن يكون لليهود وأن يكون للمنافقين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتبعه بالتفصيل فقال: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ الآية أي لئن أخرج اليهود من المدينة لا يخرج المنافقون معهم، ولئن قوتل اليهود لا ينصرهم المنافقون كما وعدوهم، وكان الأمر كما ذكره اللّه تعالى لأن اليهود أخرجوا من ديارهم فلم يخرج معهم المنافقون وقوتلوا فلم ينصروهم، فبان بهذا كذبهم فيما قالوه. وفيه دليل على صحة النبوة لأنه عليه الصلاة والسّلام أخبر بالغيب وكان كما أخبر. وقيل: وجه دلالته عليها أن المنافقين إنما راسلوا اليهود خفية بحيث لم يطلع عليهم أحد غير اليهود وظاهر أنهم لم يخبروا بذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ الآية علم أنه تعالى أطلع رسوله على ما أخفوه عنه.
قوله: (على الفرض والتقدير) جواب عما يقال: إنه تعالى نفى أن يتحقق نصرة المنافقين لليهود وما نفى اللّه تعالى وجوده لا يجوز وجوده، فما وجه قوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ بكلمة «إن» التي من حقها أن تستعمل فيما يحتمل وجوده؟ وتقرير الجواب أن ما نفى اللّه تعالى وجوده لا يمتنع فرضه وتقديره، فكلمة «إن» ههنا لم تدخل على نصرتهم بل دخلت على فرض نصرتهم وهو مما يحتمل وجوده. قوله: (إذ ضمير الفعلين) وهما قوله تعالى: لَيُوَلُّنَ وقوله: ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ فإن كان كلا الضميرين لليهود يكون المعنى:
لئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن اليهود ثم لا ينصرون أبدا بل يخذلهم اللّه، وإن كان الضمير أن للمنافقين يكون المعنى: لينهزمن المنافقون بهلاكهم ثم لا ينصرون بعد ذلك أي يهلكهم اللّه ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم بمعاداتهم المؤمنين ونصرتهم اليهود. ثم إنه تعالى بيّن أن خوف المنافقين من المؤمنين أشد من خوفهم من اللّه تعالى فقال: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً أي أشد مرهوبا جعله مصدرا من المبنى للمفعول لأن «أنتم» خطاب للمؤمنين والخوف ليس من حالهم بل هو حال المنافقين، فالمخاطبون مرهوبون غير راهبين، فالرهبة أمر نسبي قائم بالفاعل متعلق بالمفعول، فباعتبار تعلقه بالفاعل يكون سببا لأن يحدث فيه هيئة الراهبية وباعتبار تعلقه بالمفعول يكون سببا لأن يحدث فيه هيئة المرهوبية، فلفظ المصدر قد يستعمل في أصل معناه وهو الأمر النسبي وقد يستعمل في الهيئة الحاصلة للفاعل بسبب تعلق المعنى المصدري به فيقال له حينئذ إنه مصدر من المبني للفاعل، وقد يستعمل في الهيئة الحاصلة للمفعول بسبب تعلقه به فيقال إنه مصدر من المبني للمفعول كما في هذه الآية. والمعنى: إنهم يظهرون لكم أنهم يخافون اللّه وأنتم أهيب في صدورهم من اللّه لأنهم