حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 173
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً أي أشد مرهوبية مصدر للفعل المبني للمفعول. فِي صُدُورِهِمْ فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين مِنَ اللَّهِ على ما يظهرونه نفاقا فإن استبطان رهبتكم سبب لإظهار رهبة اللّه. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13) لا يعلمون عظمة اللّه حتى يخشوه حق خشيته ويعلمون أنه الحقيق بأن يخشى
لا يُقاتِلُونَكُمْ اليهود المنافقون جَمِيعًا مجتمعين إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ بالدروب والخنادق أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ لفرط رهبتهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو و «جدار» وأمال أبو عمرو فتحة الدال. بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ وليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا بل لقذف اللّه الرعب في قلوبهم، ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب اللّه رسوله تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا مجتمعين متفقين وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14) ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم.
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي مثل اليهود كمثل أهل بدر أو بني قينقاع إن صح أنهم أخرجوا قبل النضير، أو المهلكين من الأمم الماضية قَرِيبًا في زمان قريب وانتصابه بمثل «إذ» التقدير وجود مثل ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ سوء عاقبة كفرهم في الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (15) في الآخرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يخافون اللّه البتة أو لا يظهر فيهم شيء من آثار خوف اللّه بخلاف ما أضمروه في صدورهم من خوف المؤمنين فإنه أشد وأقوى مما يظهرونه من خوف اللّه تعالى نفاقا مع أن قلوبهم خلو من خوفه تعالى. قوله تعالى: (ذلِكَ) أي شدة خوفهم منكم بأنهم قوم لا يفقهون عظمة اللّه وشدة نقمته حتى يخشوه حق خشيته. ثم أخبر عن جبنهم ورخاوة قلوبهم فقال:
لا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة بالخنادق والدروب وهذا تشجيع من اللّه للمؤمنين وربط على قلوبهم حيث بيّن أن بأسهم بينهم شديد بالادعاء والقول حيث يوعدونكم بأنهم يفعلون بكم كذا وكذا لو قاتلوكم ولم يبق لكم ذلك البأس. قوله تعالى: (ذلِكَ) أي تشتت قلوبهم بأنهم قوم لا يعقلون ما فيه صلاحهم حتى يجتمعوا عليه ولا يعقلون أيضا أن تشتت القلوب يوهن القوى الجسدية، فإن صلاح القلب يوجب صلاح الجسد وفساد القلب يؤدي إلى فساد الجسد. قوله: (أي مثل اليهود) على أن قوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ خبر مبتدأ محذوف أي ما أصابهم من الحال العجيبة الشأن كما أصاب من قبلهم من زمان قريب وقَرِيبًا نعت لظرف محذوف أي وقتا وزمانا قريبا، والمصنف جعله تمثيلا باعتبار قيامه مقام المضاف المحذوف. عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: المراد بالذين من قبلهم بنو قينقاع أمكن اللّه منهم قبل بني النضير. وقيل: هو عام في كل من انتقم اللّه منهم على كفرهم