حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 177
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تمثيل وتخييل كما مر في قوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ [الأحزاب: 72] ولذلك عقبه بقوله:
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) فإن الإشارة إليه وإلى أمثاله.
والمراد توبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن لقساوة قلبه وقلة تدبره والتصدع التشقق. وقرئ «مصدعا» على الإدغام.
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب عن الحس من الجواهر القدسية وأحوالها وما حضر له من الأجرام وأعراضها وتقدم الغيب لتقدمه في الوجود وتعلق العلم القديم به، أو المعدوم والموجود،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن ملك المسلم، وعند الحنفية لا يرد بل يقسم بين الغانمين كسائر الغنائم لتملك الكفار إياه بالاستيلاء على مذهبه. ثم إنه تعالى لما بيّن بإنزال القرآن هذه المواعظ المرغبة في اكتساب أسباب الفوز والفلاح والمنفرة عن الانهماك في اتباع الحظوظ العاجلة عظّم شأن القرآن فقال: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ وكلفناه بما فيه لتشقق من خشية اللّه مع كمال قساوته وصلابته حذرا من أن لا يؤدي حق اللّه تعالى في تعظيم القرآن، فيا عجبا من قساوة الكافر حيث لم يلن قلبه لمواعظ القرآن وقوة تأثيره، وأعرض عما فيه من العبر واستخف بحقها كأن لم يسمعها وأنه بحيث لو خوطب به جبل مع شدته للان. قوله: (تمثيل وتخييل) الظاهر أنه أراد بالتمثيل التصوير والتبيين. وقوله: «وتخييل» عطف تفسير له والمعنى: إن هذه الآية تصوير لعظمة قدر القرآن وقوة تأثيره. وأنه بحيث لو خوطب به جبل مع شدته وصلابته لرأيته ذليلا متصدعا من خشية اللّه خوفا من أن لا يؤدي- حق اللّه تعالى في تعظيم القرآن وإقامة ما فيه من التكاليف والأحكام. والمراد منه توبيخ الإنسان بأنه مع ضعف بنيته ووهن قواه لا يتخشع عند تلاوة القرآن بل يعرض عما فيه من عجائب الوعد وعظائم الوعيد، وما جرى على الأمم الماضية بمقابلة معاصيهم كأن لم يسمع شيئا منها. فهذه الآية مثل أي قول غريب في بيان عظمة القرآن ودناءة حال الإنسان وبيان لصفتها العجيبة فهي من جملة الأمثال الواقعة في مواضع من التنزيل فقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ إشارة إلى هذا المثل وإلى غيره من الأمثال الواقعة في التنزيل، وقد مر مرارا أن لفظ المثل حقيقة عرفية في القول السائر ثم يستعار منه لكل أمر غريب وصفة عجيبة الشأن تشبيها له بالقول السائر في الغرابة لأنه لا يخلو عن غرابة. قوله تعالى: (خاشِعًا مُتَصَدِّعًا) حالان من الضمير المنصوب في قوله: «لرأيته» لأنه من رؤية البصر، والخاشع الذليل، والمتصدع المتشقق أي ذليلا بما كلفه من طاعته متشققا من خشية اللّه أن يعصيه فيعاقبه. ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بالعظم ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم قدر الموصوف، اتبع ذلك بشرح عظمة اللّه تعالى فقال: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. قوله: (وتعلق العلم) مجرور معطوف على الوجود