حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 187
أو بكم وبه فلا نعتد بشأنكم وآلهتكم. وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ فتنقلب العداوة والبغضاء إلفة ومحبة. إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ استثناء من قوله: «أسوة حسنة» فإن استغفاره لأبيه الكافر ليس مما ينبغي أن تأتسوا به فإنه كان قبل النهي، أو لموعدة وعدها إياه. وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من تمام قوله: المستثنى ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه. رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) متصل بما قبل الاستثناء،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«لأسوة» لما ذكر آنفا. قوله تعالى: (وَحْدَهُ) مصدر في موضع الحال أي واحدا منزها عن الشريك. قوله: (استثناء من قوله أسوة حسنة) فإنه تعالى لما قال: قد كانت في أقوالهم وأفعالهم أسوة تتأسون بهم فيها استثنى قوله: لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ منها وبيّن أنه لا أسوة لكم فيه كما قال تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى [التوبة: 113] وكان استغفار إبراهيم قبل النهي أو كان لموعدة وعدها إياه فظن إبراهيم عليه السّلام أنه قد أنجزها، فلما تبيّن أنه مصر على الشرك تبرأ منه فلا يحل لكم أن تستغفروا للمشركين من بعد ما تبين لكم أنهم أصحاب النار فلا يغفر لهم أبدا. وقوله تعالى:
وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من جملة قول إبراهيم لأبيه الذي استثناه اللّه تعالى مما يؤتسى به من أقواله وأفعاله. فلما ورد أن يقال: كيف يصح كونه من تمام قوله المستثنى وهو في نفسه كلام حسن يحسن أن يؤتسى به غير حقيق بالاستثناء؟ أشار إلى دفعه بقوله:
«ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه» يعني أن ما ذكر إنما يدل على عدم صحة كونه مقصودا بالاستثناء ومستثنى بانفراده، وأما إذا استثنى مجموع مقالته وكان المقصود بالاستثناء من ذلك المجموع استثناء جميع أجزائه وقرن به ما بعده من كلام إبراهيم تحقيقا لوعده، فكأنه قال: لأستغفرن لك وما في طاقتي إلا هذا فهو مبذول لا محالة، فلما كان هذا تابعا لما قبله ومتفرعا عليه وهو من كلام إبراهيم أدخل في المستثنى. ولا يلزم من عدم صحته عدم صحة كون مجموع مقالته مستثنى لأنه في قوة أن يقال: لأستغفرن لك وليس في وسعي وطاقتي إلا الاستغفار فهو مبذول لك، فحكى اللّه تعالى هذا المجموع عنه عليه الصلاة والسّلام واستثناه مما أثبت فيه من الأسوة. والمقصود من الاستثناء من هذا المجموع هو وعد الاستغفار لأبيه الكافر بقوله: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ولما كان ما بعده مذكورا لتحقق الوعد المذكور وبيانا لوجهه أدخل في المستثنى، ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه مع أن قوله: وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يدل على أنه لو ملك له ما هو أكثر من الاستغفار لفعل فكان ملحقا بما قبله وفي معناه فكان حقيقا بالاستثناء. قوله: (متصل بما قبل الاستثناء) أي هو داخل في جملة ما أثبته اللّه تعالى في إبراهيم ومن معه مما يؤتسى به