حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 188
أو أمر من اللّه للمؤمنين بأن يقولوه تتميما له وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار.
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نتحمله.
وَاغْفِرْ لَنا ما فرط رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) ومن كان كذلك كان حقيقا بأن يجير المتوكل ويجيب الداعي.
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ تكرير لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم ولذلك صدر بالقسم وأبدل قوله: لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ من «لكم» فإنه يدل على أنه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسي بهم وإن تركه مؤذن بسوء العقيدة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الأقوال والأفعال الدالة على تخلقه بالأخلاق الحميدة المرضية كقوله: وَما أَمْلِكُ لَكَ وفصل بينه وبين ما قبل الاستثناء بالاستثناء. قوله: (أو أمر من اللّه) أي ويجوز أن لا يكون من جملة مقالة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بل يكون أمرا من اللّه سبحانه للمؤمنين بإضمار «قولوا» أي أظهروا لهم العداوة ولا يهولنكم كثرة عددهم وعددهم وقولوا: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا الآية أي قولوا عليك اعتمدنا وإليك رجعنا بالاعتراف من ذنوبنا وإليك المرجع في الآخرة.
قوله: (بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نتحمله) فعلى هذا تكون الفتنة مصدرا بمعنى الفتون. وعن الزجاج أنه قال: لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنونا بذلك.
وعن مجاهد قال: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم هذا. قوله: (وأبدل قوله لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر من لكم) ليس من قبيل بدل الكل من الكل لما تقرر في النحو أنه لا يبدل ظاهر من ضمير المتكلم أو المخاطب بدل الكل من الكل، فلا يقال في المسكين كان الأمر ولا عليك الكريم المعول لئلا ينتقص المقصود بالنسبة عن غيره في الدلالة على الذات المرادة مع اتحاد الذات. والظاهر أن ما في الآية من قبيل بدل الاشتمال لأن التابع لكونه أعم من المتبوع يشمله وغيره. قوله تعالى:
(لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) أي يخافه ويخاف عقابه في الآخرة، أو يرجو ثواب اللّه تعالى بالائتساء بهم، فإن الرجاء كما يكون بمعنى التوقع والأمل يكون بمعنى الخوف أيضا قال تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا [نوح: 13] أي لا تخافون عظمة اللّه تعالى وقال الشاعر:
إذا لسعت النحل لم يرج لسعها
أي لم يخف ولم يبال. قوله: (فإنه يدل على أنه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسي بهم) تعليل انفهام مزيد الحث على التأسي بإبراهيم من البدل.