حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 190
فَامْتَحِنُوهُنَ فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن ألسنتهن في الإيمان اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ فإنه المطلع على ما في قلوبهن. فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ العلم الذي يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الإمارات وإنما سماه علما إيذانا بأنه كالعلم في وجوب العمل به. فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ أي إلى أزواجهن الكفرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقوله: والقسط العدل أي المعاملة بما يعادل معاملتهم معكم، فإنهم إذا لم يخرجوكم من دياركم ولم يؤذوكم فهذا بر منهم فالعدل معهم أن تبروهم أيضا. وبهذا استدل أبو حنيفة ومحمد رحمهما اللّه في دفع ما سوى الزكاة من الصدقات إلى أهل الذمة، واستثنى الزكاة من جملتها لحديث معاذ رضي اللّه عنه «خذها من أغنيائهم وردها إلى فقرائهم» . قوله: (فاختبروهن بما يغلب على ظنكم) قيل: إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها قالت: سأهاجر إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. فلذلك أمر عليه السّلام بامتحان من هاجرت إليه مظهرة للإيمان. واختلفوا في أنه عليه الصلاة والسّلام بأي شيء يمتحنهن؛ فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: كان يمتحنهن بأن يستحلفهن باللّه ما خرجت بغضا لزوجها ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا التماسا لدنيا ولا عشقا لرجل من المسلمين ولا لحدث أحدثته، وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبا للّه ورسوله. فإذا حلفت باللّه الذي لا إله إلا هو على ذلك أعطى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولا يرد نفسها لقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه، فإذا شهدن به مع طيب النفس لا يرجعن إلى الكفار. وعن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: ما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمتحن إلا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا [الممتحنة: 12] الآية أي بقبول هذه الشروط سماهن مؤمنات قبل الامتحان لمشارفتهن الإيمان بالامتحان وقبول الشروط المذكورة، وكانت المهاجرات إذا قدمن قعدن عنده عليه السّلام فيقول عليه الصلاة والسّلام لهن: «أبايعكم على أن لا تشركن باللّه شيئا» ويتلو عليهن الآية الخ فإذا أقررن بذلك قال: «قد بايعتكن فارتفعن» قالت عائشة رضي اللّه عنها: واللّه ما مست يده عليه الصلاة والسّلام يد امرأة في المبايعة إلا بقوله. والآية التي في هذه السورة نزلت عام الحديبية فإنه عليه الصلاة والسّلام صالح أهل مكة بالحديبية على أن من لحق بالكفار من المسلمين لم يردوه ومن لحق بالمسلمين مسلما منهم رد عليهم وكان المصلحة فيه في ذلك الوقت، فلما ختم كتاب الصلح جاءت سبيعة مسلمة فأقبل زوجها مسافر فقال: اردد عليّ امرأتي كما هو الشرط وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد. فنزلت فنسخ ذلك الحكم في حق النساء حث اللّه تعالى فيهن أن لا يرددن إليهم وفي الرجال أن يردوا إليهم وذلك لضعف النساء عن الدفع عن أنفسهن والعجز عن الصبر