حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 200
من غير فرجة حال من المستكن في الحال الأولى، والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه.
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مقدر باذكر أو كان كذا يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي بالعصيان والرمي بالأدرة. وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ بما جئتكم من المعجزات. والجملة حال مقررة للإنكار، فإن العلم بنبوته يوجب تعظيمه ويمنع إيذاءه وقد لتحقيق العلم. فَلَمَّا زاغُوا عن الحق أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (5) هداية موصلة إلى معرفة الحق أو إلى الجنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخلق أو الثناء عليهم والمعنى: أنه تعالى يرضى عمن ثبت في مكانه عند مجاهدة الكفار كثبوت البناء والتراص التضامم والتلاصق. عن سعيد بن جبير قال: هذا تعليم من اللّه تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم، فلا يجوز الخروج من الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان أو لرسالة يرسله الإمام، أو منفعة تظهر في الانتقال عن المقام كفرصة تنتهز ولا خلاف فيها. وفي الخروج عن الصف للمبارزة خلاف؛ فقيل: إنه لا بأس فيه إرهابا للعدو وطلبا للشهادة وتحريضا على القتال. وقيل: لا يبرز أحد طلبا لذلك لأن فيه رياء إلا أن يطلب الكافر من يبارزه كما كان يوم بدر وفي غزوة خيبر. قوله: (حال من المستكن في الحال الأولى) لأن «صفا» بمعنى مصطفين ففيه ضمير وقوله: «كأنهم بنيان» حال منه على التداخل وهو أن تعمل الحال الأولى في الثانية ويكون الحالان لشيئين مختلفين، وترادف الحالين أن يكونا لشيء واحد والبنيان واحد كالبناء، ولذلك وصف بقوله: «مرصوص» ولم يقل: مرصوصة. ثم إنه تعالى لما عيّر من لم يثبت في موضع القتال بعدم الوفاء وحث المؤمنين على الثبات فيه، وعلمهم بلسان الرسول كيف ينبغي أن يكونوا حال القتال ذكر بعده قصة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسّلام وأنهما أمرا قومهما باتباع دين اللّه تعالى وطاعة رسوله فيما دعاهم إليه، وأنهم زاغوا عن الحق واتبعوا أهواءهم فخذلهم اللّه تعالى ولم يوفقهم للاهتداء وقبول الحق جزاء على اختيارهم الباطل وعدم سعيهم في إصابة الحق بالنظر في الدلائل المنصوبة، فقال: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الآية أي واذكر إذ قال أو حين قال لهم ما قال كان كذا وكذا، فيكون منصوبا بما دل عليه ما بعده كأنه قيل: حين قال لهم زاغوا.
قوله: (وقد لتحقيق العلم) كأنه قيل: تؤذونني عالمين أني رسول اللّه إليكم علما يقينا لا شبهة فيه. وطريق إيذائهم أنهم نسبوا إليه الأدرة وأن قارون حمل امرأة على أن تدّعي على موسى أنه زنى بها وقولهم: اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138] وقولهم:
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: 24] وقولهم: أنت قتلت هارون