حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 201
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ ولعله لم يقل يا قوم كما قال موسى عليه السّلام لأنه لا نسب له فيهم. إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي في حال تصديقي لما تقدمني من التوراة وتبشيري برسول يأتي من بعدي. والعامل في الحالين ما في الرسول من معنى الإرسال لا الجار لأنه لغو إذ هو صلة للرسول فلا يعمل. اسْمُهُ أَحْمَدُ يعني محمدا عليه السّلام والمعنى: ديني التصديق بكتب اللّه وأنبيائه، فذكر أول الكتب المشهورة الذي حكم به النبيون والنبي الذي هو خاتم المرسلين. فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) الإشارة إلى ما جاء به أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليه الصلاة والسّلام وغير ذلك. والزيغ الميل يقال: أزاغه عن الطريق أي أماله عنه والمعنى: فلما عدلوا عن الحق أمال اللّه قلوبهم عن قبوله جزاء على ما ارتكبوا من إيذائهم نبيهم. ودل ذلك على أنه تعالى خالق لأفعال عباده كلها حسنها وقبيحها، وأنه تعالى يضل من علم منه اختيار الضلال ويهدي من علم منه اختيار الاهتداء. قوله: (لأنه لا نسب له فيهم) لأن النسب المعتبر ما يكون من قبل الأب. قوله: (لأنه لغو) يعني أن قوله: «إليكم» متعلق «برسول» لأنه بمعنى مرسل أو أرسلت. والظرف اللغو لا يعمل لأن حروف الجر لا تنصب بنفسها بل بما فيها من معنى الفعل، فإذا كانت متعلقة بالمذكور قبلها لا تتضمن معنى الفعل فلا تعمل. و «أحمد» من جملة أسماء نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم والظاهر أنه منقول من الوصفية بناء على أنه في الأصل اسم تفضيل بمعنى أحمد الحامدين لربه، فإن الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم كلهم حمادون لربهم ونبينا أحمد أي أكثرهم حمدا، وكذا محمد فإنه منقول من الوصفية لكونه في معنى محمود ولكن فيه معنى المبالغة والكثرة فإنه محمود في الدنيا بكونه سيد المرسلين وجامع فضائل الأنبياء أجمعين. كما قال:
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول اللّه ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم
ومحمود في الآخرة بما اختص به فيها من الشفاعة الكبرى والحوض المورود والمقام المحمود، كما قال:
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته ... لكل هول من الأهوال مقتحم
روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال: «إن لي أسماء أنا أحمد وأنا محمد وأنا الماحي الذي يمحو اللّه بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي» . رواه البخاري. قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَهُمْ) أي لما جاءهم عيسى بالمعجزات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ونحو ذلك من المعجزات الدالة على