حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 230
إذ البشر يطلق للواحد والجمع. فَكَفَرُوا بالرسل وَتَوَلَّوْا عن التدبر في البينات وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن كل شيء فضلا عن طاعتهم. وَاللَّهُ غَنِيٌ عن عبادتهم وغيرها حَمِيدٌ (6) يدل على حمده كل مخلوق.
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا الزعم ادعاء العلم ولذلك يتعدى إلى مفعولين، وقد قام مقامهما أن بما في حيزه قُلْ بَلى أي بلى تبعثون وَرَبِّي قسم أكد به الجواب لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ بالمحاسبة والمجازاة.
وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) لقبول المادة وحصول القدرة التامة.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ محمد عليه الصلاة والسّلام وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا يعني القرآن فإنه بإعجازه ظاهر بنفسه مظهر لغيره مما فيه شرحه وبيانه. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبلهم من الكفار وجعل ما أصابهم من العقوبة في الدنيا بالإضافة إلى ما أعد لهم في الآخرة ذوقا من معظم طعام أو شراب. قوله: (إذ البشر يطلق للواحد والجمع) لأنه اسم جنس والجنس يتحقق في ضمن كل فرد من جميع الأفراد وهو في الآية بمعنى الجمع ولذلك جمع ضمير «يهدوننا» . وقوله: أَبَشَرٌ مرفوع على أنه فاعل فعل مضمر يفسره ما بعده كما في قوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ [التوبة: 6] وهو أولى من جعله مبتدأ وما بعده خبره لأن أداة الاستفهام تطلب الفعل ظاهرا أو مضمرا، والفاء في قوله: فَكَفَرُوا سببية لا للتعقيب أي فكفروا بسبب هذا القول لأنهم قالوا استصغارا للرسل ولم يعلموا الحكمة في اختيار كون الرسل بشرا وقوله: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ تقرير لما سبق من التهديد والوعيد أي وكان اللّه غنيا عن إيمانهم وطاعتهم فلم ينقصوا بكفرهم ومعاصيهم شيئا من ملك اللّه وإنما ضرر ذلك على أنفسهم. ثم إنه تعالى لما بيّن أن سبب الوبال والعذاب المذكورين هو تكذيبهم الرسل وكفرهم بهم بيّن أن لهم معصية أخرى وهو إنكارهم البعث فقال: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا الزعم ادّعاء العلم بالشيء ولا علم و «أن» مع ما في حيزها قائم مقام المفعولين كأنه قيل: زعموا كونهم غير مبعوثين وهي مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المضمر أي زعموا أن الشأن لم يبعثوا وليست بناصبة لئلا يدخل ناصب على مثله وبَلى إيجاب للنفي المذكور قبله أي بلى يبعثون، ثم ابتدأ فقال: وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ وليس الأمر مقتصرا على البعث بل يعقبه الحساب والجزاء فإن قيل: كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث وهم قد أنكروا الرسالة؟ أجيب بأنهم أنكروا الرسالة لكنهم مع ذلك يعتقدون أنه عليه الصلاة والسّلام يعتقد عظمة ربه اعتقادا جازما لا مزيد عليه فيعلمون بذلك أنه لا يقدم على أن يقسم بربه إلا أن يكون صدق هذا الإخبار عنده أظهر من الشمس في اعتقاده، ولما ذكر أن ما نزل بالأمم الماضية من العقوبة كان بسبب كفرهم باللّه ورسله أمرهم بالإيمان باللّه ورسوله والنور الذي أنزل عليه كيلا يذوقوا وبال أمرهم في الدنيا والعذاب الأليم في العقبى.