فهرس الكتاب

الصفحة 5021 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 231

فمجاز عليه

يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ظرف لتنبؤن أو مقدّر باذكر، وقرأ يعقوب «نجمعكم» لِيَوْمِ الْجَمْعِ لأجل ما فيه من الحساب والجزاء. والجمع جمع الملائكة والثقلين ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ يغبن فيه بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس مستعار من تغابن التجار، واللام فيه للدلالة على أن التغابن الحقيقي هو التغابن في أمور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرأ يعقوب نجمعكم) بنون العظمة ليوافق قوله: وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا والمراد بيوم الجمع يوم القيامة وهو يوم يجمع اللّه فيه الأولين والآخرين والجن والإنس وأهل السماء وأهل الأرض. وقيل: يجمع اللّه فيه بين كل عبد وعمله. وقيل: يجمع فيه بين الظالم والمظلوم. وقيل: يجمع فيه بين كل نبي وأمته. قوله: (يغبن فيه بعضهم بعضا) أي يخدع والتغابن تفاعل من الغبن وهو أخذ الشيء من صاحبه بأقل من قيمته وهو لا يكون إلا في عقد المعاوضة ولا معاوضة في الآخرة، فإطلاق التغابن على ما يكون فيها إنما يكون بطريق الاستعارة المبنية على التشبيه وهو مستعار من تغابن التجار، فإن حقيقة التغابن متفرعة على تحقيق حقيقة التجارة ومعاملة المبادلة ليغبن أحد التاجرين الآخر بأن يوقعه في الخسران، ولم يتحقق بين أهل الجنة وأهل النار في الدنيا معاملة يتفرع عليها تغابنهما في الآخرة حقيقة.

فحمل الكلام على الاستعارة فشبّه ما عليه كل واحد من الفريقين بالتجارة والمبادلة وما يترتب عليه من حسن العاقبة وسوءها بالتغابن، وذلك لأن كلا الفريقين خلق اللّه تعالى فيهما الاستطاعة وسلامة الآلات وجعلهما قادرين على اختيار ما يؤدي إلى سعادة الآخرة فاختار كل فريق ما يشتهيه مما كان قادرا عليه بدل ما اختاره الآخر وارتضاه فهذا الاختيار منهما شبه بالمبادلة والتجارة وشبه ما يتفرع عليه من نزول كل واحد منهما منزل الآخر بالتغابن. قيل:

أشد الناس غبنا يوم القيامة ثلاثة نفر: عالم علم الناس فعملوا بعلمه وخالف هو علمه فدخل غيره الجنة بعلمه ودخل هو النار بعمله المخالف لعلمه، وعبد أطاع اللّه تعالى بعدم خيانته في مال سيده وعصى سيده اللّه فدخل العبد الجنة بعدم خيانة مال مالكه ودخل مالكه النار بمعصية اللّه تعالى، وولد ورث مالا من أبيه وأبوه كان بخيلا وعصى اللّه فيه بعدم إنفاقه في سبيله فدخل أبوه ببخله النار ودخل هو بإنفاقه في الخير الجنة. قال عليه الصلاة والسّلام:

«لا يلقى اللّه أحد إلا نادما إن كان مسيئا إن لم يحسن، وإن كان محسنا إن لم يزد» أما مشابهة نزول السعداء منازل الأشقياء من الجنة لو كانوا سعداء بالغبن فظاهرة لأن السعداء أخذوا منازل الأشقياء من الجنة من غير رضى الأشقياء ولا شعور لهم به. وأما مشابهة نزول الأشقياء منازل السعداء من النار لو كانوا أشقياء بالغبن فإنها ليست بظاهرة لأن منازل السعداء من النار لا رغبة لهم فيها حتى يكون نزول الأشقياء فيها شبيها بغبن السعداء إياهم إلا أنه شبه ذلك بالغبن أيضا تهكما بالأشقياء واستهزاء بهم. قوله: (واللام فيه) يعني أن اللام في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت