حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 232
الآخرة لعظمها ودوامها. وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا أي عملا صالحا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وقرأ نافع وابن عامر بالنون فيهما ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) الإشارة إلى مجموع الأمرين، ولذلك جعله الفوز العظيم لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) كأنها والآية المتقدمة بيان للتغابن وتفصيل له.
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ إلا بتقديره وإرادته وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ للثبات والاسترجاع عند حلولها. وقرئ «يهد قلبه» بالرفع على إقامته مقام الفاعل وبالنصب على طريقة سفه نفسه، ويهدأ بالهمز أي يسكن وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) حتى القلوب وأحوالها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التغابن لتعريف الجنس فمثل هذا التركيب يفيد حصر جنس التغابن في ذلك اليوم كما في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: 2] وزيد الشجاع، ووجه إيثار ما يفيد الحصر مع أن التغابن يكون في دار الدنيا أشار إلى جوابه بأن سعادة الآخرة لكونها أجل كل سعادة وأفضلها كان فقدها نهاية الغبن بحيث لا يعد ما دونه فقدا بالنسبة إليه وفقدها إنما يتحقق في ذلك اليوم. فصح بهذا الوجه حصر الغبن في ذلك اليوم فللتنبيه على هذا المعنى أوثر ما دل على الحصر. قوله تعالى: (خالِدِينَ فِيها أَبَدًا) «خالدين حال من الهاء في «يدخله» ووحده أولا حملا على معناه و «أبدا» نصب على الظرف وكذا «خالدين» الثاني نصب على الحال من أصحاب النار والعامل فيها ما في «أولئك» من معنى الفعل. ثم إنه تعالى لما حكم بأن يوم القيامة هو يوم التغابن الواقع بين المؤمنين والكافرين بأن يأخذ كل واحد منهما منزل صاحبه، فصل ذلك بالآيتين اللتين بعد وهما قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ إلى قوله: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ حيث بيّن فيهما أن السعداء اختاروا مما هو داخل تحت وسعهم ومقدرتهم ما أداهم في الآخرة إلى الفوز بدفع المضار وجلب المنافع، والأشقياء اختاروا منه ما أداهم إلى أشد العذاب والحرمان من وجوه المنافع بأسرها، فغبن المؤمن الكافر باختيار ما تمكن عليه الكافر من الإيمان والطاعة وغبن الكافر المؤمن بأن أخذ منه ما يقدر عليه من الكفر والمعصية، فصار كل واحد منهما مغبونا. والكافر وإن لم يأخذ ما تكن عليه المؤمن مما يرغب فيه المؤمن حتى يكون مغبونا بفواته منه إلا أنه جعل مغبونا تهكما بالكافر كما مر. فظهر بهذا أن الدنيا لكونها زمان التجارة ومزرعة الآخرة هي موضع التغابن، وأنه تعالى إنما جعل يوم القيامة يوم التغابن لكونه وقت ظهور الربح والخسران ووقت ظهور تغابن الفريقين في الدنيا وبهذا الاعتبار جعلت الآيتان تفصيلا للتغابن. ثم إنه تعالى لما بيّن أن الإيمان والطاعة مناط كل خير وسعادة وأن الكفر والمعصية مناط كل شر وبلاء، وكان هذا مظنة أن يتوهم أنه لو