فهرس الكتاب

الصفحة 5023 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 233

كان الأمر كذلك لسلم المؤمنون من المصائب في أموالهم وأبدانهم فقال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ملتبسة بشيء من الأشياء إلا بإذن اللّه أي إلا بتقديره وإرادته وقضائه ومشيئته على أن الإذن مستعار للتقدير والإرادة تشبيها لهما بالإذن من حيث إن كل واحد منهما مفض إلى الفعل سبب له، فإنه تعالى إذا قدر المصيبة وأراد إصابتها لأحد فكأنه أذن للمصيبة أن تصيبه.

بيّن اللّه تعالى بهذه الآية أن المصيبة إنما تصيبهم بتقديره ومشيئته وفي إصابتها حكم لا يعرفها إلا هو منها حصول اليقين بأن ليس شيء من الأمر في يده فيتبرؤون بذلك من حولهم وقوتهم إلى حول اللّه وقوته ومنها تكفير ذنوبهم وتكثير مثوباتهم بالصبر عليها والرضى بقضاء اللّه تعالى إلى غير ذلك.

قوله تعالى: (وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ) أي ومن يصدق باللّه ويعلم أنه لا تصيبه مصيبة إلا بإذن اللّه يهد قلبه للثبات أي لعدم الاضطراب بما أصابه بأن يقول قولا أو يظهر وصفا يدل على التضجر من قضاء اللّه تعالى وعدم الرضى به بل يسترجع ويقول: إنا للّه وإنا إليه راجعون ومن أيقن بأنه مملوك للّه تعالى مسخر في قبضة قدرته وبأن مرجعه إلى موقف حسابه كيف لا يرضى بقضائه ولا يصبر على بلائه وقد اعتقد أنه رب العالمين والتربية كما تكون بما يلائم الطبع تكون أيضا بما ينفر عنه الطبع. قوله: (وبالنصب) عطف على قوله: «بالرفع» يعني من قرأ «يهد» مبنيا للمفعول كما قرأ «قلبه» مرفوعا قرأه أيضا منصوبا بنزع الخافض أي يهد في قلبه كما في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: 130] أي في نفسه وقوله: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ [البقرة: 235] أي على عقدة النكاح، فلما سقط حرف الجر نصب ما بعده أي عدى الفعل بنفسه فنصب ما بعده. قوله: (حتى القلوب وأحوالها) يعني أن قوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تذييل لتقرير قوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وإنما يقرره إذا دخلت أحوال القلوب من الإيمان والكفر في كل شيء دخولا أوليا. وقوله تعالى:

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي في جميع الأوقات ولا تشغلنكم المصائب عن الاشتغال بطاعة اللّه تعالى والعمل بكتابه وعن الاشتغال بطاعة الرسول واتباع سنته، وليكن جل همتكم في السراء والضراء العمل بما شرع لكم. ولما ورد أن يقال: كيف يستمر المرء على الطاعة حالة الضراء وهي تغلب على المرء؟ دفعه بأن الإيمان بالوحدانية وبأن الكل من عند اللّه يقتضي التوكل عليه في دفع المضار وجلب المنافع والتبري من الحول والقوة والاعتماد على حول اللّه تعالى وقوته والاستمرار على طاعته وطاعة رسوله فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الآية روي عن عطاء أنه قال: نزلت سورة التغابن كلها بمكة إلا هذه الآيات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ فإنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت