حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 234
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي فإن توليتم فلا بأس عليه فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (12) إذ وظيفته التبليغ وقد بلغ
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) لأن إيمانهم بأن الكل منه يقتضي ذلك
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ يشغلكم عن طاعة اللّه أو يخاصمكم في أمر الدين أو الدنيا. فَاحْذَرُوهُمْ ولا تأمنوا غوائلهم. وَإِنْ تَعْفُوا عن ذنوبهم بترك المعاقبة وَتَصْفَحُوا بالإعراض وترك التثريب عليها. وَتَغْفِرُوا بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم.
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ اختيار لكم وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) لمن آثر محبة اللّه وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي فيهم.
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم وَاسْمَعُوا مواعظه وَأَطِيعُوا أوامره وَأَنْفِقُوا في وجوه الخير خالصا لوجهه خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ أي افعلوا ما هو خير لها وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر. ويجوز أن يكون صفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان ذا أهل وولد وكان إذا أراد الغزو بكوا وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم فنزلت هذه الآية إلى آخر السورة بالمدينة. وقيل: كان رجال يسلمون من أهل مكة ويريدون أن يأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيتعلق بهم أبناؤهم وزوجاتهم فيقولون: أنت تذهب وتذرنا ضائعين فمنهم من يطيع ويقيم فحذرهم اللّه تعالى طاعة نسائهم وأولادهم، ومنهم من لا يطيع ويهاجر إليه عليه الصلاة والسّلام فيرى الذين سبقوه في الهجرة قد تفقهوا في الدين فيعزم في نفسه على أنه إن جمعه اللّه تعالى وإياهم في دار الهجرة يعاقبهم ويمنع عنهم بره وأن لا يتفضل عليهم بوجه ما. ثم لما جمع اللّه تعالى بينه وبين أهله وأولاده ومنعهم ما ينتفعون به وعظ اللّه من فعل ذلك بقوله: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأمرهم بالعفو عنهم. وقد علم من الآية أن العدو لا يكون عدوا بسيفه وسنانه وإنما يكون عدوا بسوء أفعاله، فكل من شغل المرء عن طاعة اللّه من الأزواج والأولاد والأموال وغيرها فهو عدو له، ولا ينبغي له أن يأمن غوائلهم وقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ناسخ لقوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: 102] . قوله: (أي افعلوا ما هو خير لها) يعني أن «خيرا» منصوب بمضمر يدل عليه الأوامر السابقة فالأمر بالأفعال الخاصة يدل على الأمر بفعل الخير مطلقا، فلذلك كان هذا الكلام تأكيدا للحث على الأوامر المذكورة سابقا وبيانا لكون كل واحد من الأمور المذكورة قبله خيرا وبيّن وجه الحث عليها بأنها خير لأنفسكم. وهذا الوجه هو المنقول عن صاحب الكتاب، ولم يجعل «خيرا» منصوبا بقوله: أَنْفِقُوا لأن الإنفاق لا يتعدى إلا إلى ما هو من جنس الأموال إلا أن يفسر الخير بالمال كما في قوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا