حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 242
ويرزقه فرجا وخلفا من وجه لم يخطر بباله، أو بالوعد لعامة المتقين بالخلاص من مضار الدارين والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون. أو كلام جيء به للاستطراد عند ذكر المؤمنين وعنه عليه الصلاة والسّلام: «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ» فما زال يقرأها ويعيدها. روي أن سالم بن عوف بن مالك الأشجعي أسره العدو فشكا أبوه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «اتق اللّه وأكثر قول لا حول ولا قوة إلا باللّه» ففعل فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها. فنزلت.
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ كافيه إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ يبلغ ما يريده ولا يفوته مراد. وقرأ حفص بالإضافة. وقرئ «بالغ أمره» أي نافذ و «بالغا» على أنه حال والخبر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللّه له مخرجا في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه ويرزقه من وجه لا يخطر بباله إن أعطاها مهرها وافيا وأدى الحقوق قل ماله أو كثر. وقوله: «بأن يجعل اللّه له مخرجا» متعلق بقوله: «بالوعد على الاتقاء» وقوله: «أو بالوعد لعامة المتقين» معطوف على قوله: «بالوعد» فإن وعد عامة المتقين يؤكد ما سبق من قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ [الطلاق: 1] كما أن الوعد على الاتقاء عما نهى عنه صريحا أو ضمنا مما ذكر من أول السورة إلى هنا يؤكد ذلك. قوله: (أو كلام جيء به) عطف على قوله جملة اعتراضية ووجه الاستطراد فيه عدم تعلقه بما سبق عليه لكونه تأكيدا له أو بيانا أو نحو ذلك، وإنما ذكر في هذا الموضع من حيث إنه تعالى أمر المؤمنين بإمساكهن أو تطليقهن بالمعروف وذكر أمورا شتى، ثم أشار إلى جميع ذلك بطريق الفذلكة وحكم عليه بأنه موعظة وتذكير للمتقين الذين يذكرون اللّه تعالى واليوم الآخر في جميع شؤونهم، فلما أنجز الكلام إلى ذكرهم أردف الكلام بذكر الوعد على إيمانهم واتقائهم بالخلاص من مضار الدارين والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون استطرادا أي من غير أن يقصد به تعلقه بما كلف به المؤمنون في حق إمساك النساء وتطليقهن وإن دخل فيهم الذين يتقون عما نهى عنه بالآية المقدمة صريحا أو ضمنا مما سبق من الآيات. قوله: (وعنه عليه الصلاة والسّلام الخ) تأييد لكونه استطرادا.
قوله: (تغفل عنها العدو) أي اغتنم غفلتهم عنها وأخذها منهم على غفلة. وفي الصحاح:
تغفلته إذا اهتبلت غفلته، والاهتبال الاغتنام ووجدان الفرصة. قوله: (وقرأ حفص بالإضافة) أي برفع بالِغُ من غير تنوين وجر أَمْرِهِ على إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله للتخفيف.
وقرأ الباقون بالتنوين والنصب على الأصل لأن «بالغ» اسم فاعل بمعنى الاستمرار المتناول للحال والاستقبال فيعمل عمل الفعل فينصب مفعوله كما ينصبه «بلغ» في قوله: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ [الطلاق: 2] وقرئ «بالغ أمره» بتنوين بالغ ورفع أمره أي على أنه فاعل بالغ بمعنى نافذ والمعنى: إن اللّه أمره نافذ. ويحتمل أن يكون ارتفاع أمره على الابتداء و «بالغ» خبره