حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 244
عموم قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا [البقرة: 234] لأن عموم أولات الأحمال بالذات وعموم أزواجا بالعرض، والحكم معلل هنا بخلاف «ثم» ولأنه صح أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حكم كل من كانت ذات حمل سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها لما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: لو وضعت ما في بطنها وزوجها المتوفى على سريره لم يدفن بعد لانقضت عدتها وحلت للأزواج. وعن علي وابن عباس رضي اللّه عنهما: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين، إما بوضع الحمل أو بانقضاء أربعة أشهر وعشر فأيهما أبعد من الآخر تعتد به. لأنه لما وقع التعارض بين قوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ وبين قوله تعالى في سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: 234] واقتضت الآية الأولى أن تنقضي عدتها بوضع الحمل وإن وضعت عقيب موت زوجها بيوم أو ساعة، واقتضت الآية الثانية أن لا تنقضي عدتها إلا بمضي أربعة أشهر وعشر فجمع بينهما احتياطا. وعامة الصحابة على أن عدتها إنما تنقضي بوضع الحمل. واختاره المصنف حيث قال: والمحافظة على عمومه أولى من محافظة عموم قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [البقرة: 234] وتفصيل المقام أن كل واحدة من أولات الأحمال والمتوفى عنها زوجها عام من الآخر من وجه وخاص منه من وجه آخر لتصادقهما في الحامل المتوفى عنها زوجها، وصدق الأولى بدون الثانية في الحامل المطلقة وصدق الثانية بدون الأولى في المتوفى عنها زوجها، وقد حكم على كل واحدة منهما بحكم يخالف حكم الأخرى فتعارضت الآيتان بحسب الظاهر. إذ المراد بالتعارض أن يكون اقتضاء أحد الدليلين من الحكم في مادة معينة خلاف ما يقتضيه الدليل الآخر، والآيتان كذلك في مادة تناولهما وهي الحامل المتوفى عنها زوجها. وإنما قلنا: إنهما متعارضتان بحسب الظاهر بناء على ما تقرر من امتناع التعارض الحقيقي بين الأدلة الشرعية لأن التعارض الحقيقي بينها أن يكون بأن ينزل الشارع دليلين متناقضين في زمان واحد وهو تكليف بما لا يطاق وهو وإن كان جائزا عند الأشاعرة إلا أنه غير واقع بالاتفاق، فلا بد أن يكون نزول أحد المتعارضين سابقا على نزول الآخر فيكون المتأخر نزول ناسخا للمتقدم إن علم تاريخ نزولهما، وإن جهل توهم تعارضهما بالنسبة إلينا وإن لم يتعارضا في الواقع. وما نحن فيه من الآيتين من هذا القبيل فإنهما متعارضتان بحسب الظاهر في مادة تناولهما.
قوله: (والحكم معلل هنا) وذلك أن الحكم بأن أجلهن وضع حملهن رتب على الموصوفات بكونهن أولات أحمال. وتعليق الحكم بالوصف الصالح للعلية مشعر بالعلية لذلك الحكم كما إذا قلت: المسكر حرام بخلاف حكم «يتربصن» إذ لا تعرض فيه لعلية الحكم، فاختار المصنف أن يحافظ على عموم آية سورة الطلاق ويعمل بحكمها في جميع