حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 246
الأحكام أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في أحكامه فيراع حقوقه يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ فإن الحسنات يذهبن السيئات وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) بالمضاعفة
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو خاصا ناسخ للمتقدم إذا علم تاريخ نزولهما، ولا يحملون العام على الخاص مطلقا كما ذهب إليه الشافعية. إذا عهدت هذه المقدمة فنقول: آية سورة الطلاق نزلت بعد آية سورة البقرة لقول عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه: من شاء باهلته عند الحجر الأسود أن سورة النساء القصرى- يعني سورة الطلاق- نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة. ولما تعارض الدليلان وكانت آية الطلاق متأخرة في النزول فلا يخلو إما إن تقدم آية الطلاق ويعمل بها في حق المتوفى عنها زوجها أيضا أو بالعكس، فاللازم من الأول تخصيص عموم الأزواج المذكورة في سورة البقرة بمن لم تكن ذات حمل، وهو صحيح على كل واحد من المذهبين. أما على مذهب الإمام الشافعي فلأن الخاص الذي هو أولات الأحمال خصص العام وهو المتوفى عنها زوجها بمن لم تكن ذات حمل كما هو مقتضى مذهب الإمام الشافعي، وأما على مذهب أبي حنيفة فلأن آية سورة الطلاق لتأخر نزولها نسخت عموم الأزواج المذكورة في سورة البقرة وخصصتها بمن لم تكن ذات حمل. فثبت أن العمل بآية سورة الطلاق موافق لكل واحد من المذهبين بخلاف العمل بآية سورة البقرة، فإنه لا يوافق مذهب الحنفية لأنهم يجعلون مقدم النزول منسوخا بالمتأخر فلا يعملون به، وإنما يوافق مذهب الشافعية. وقيل: هو بناء العام على الخاص وحاصله تخصيص العام بالخاص، وهو أن يخصص العام بالخاص لأنه إن حكم بالتربص في حق الحامل المتوفى عنها زوجها فقد لزم أن يخصص عموم أولات الأحمال بحملها على المطلقات مع أنها بحسب مفهومها تعم المتوفى عنها زوجها. قال المصنف في أصوله المسمى بالمنهاج: الخاص إذا عارض العام يخصصه علم تاريخه أم لا. وأبو حنيفة يجعل المتقدم منسوخا ويوقف حيث جهل لنا إعمال الدليلين أولى. انتهى كلامه. يعني إذا خصص العام بالخاص يعمل الخاص في جميع أفراده والعام في بعض أفراده، ولو جعل العام ناسخا للخاص كان إبطالا للخاص بالكلية، مثلا إذا كان المتوفى عنها زوجها خاصا بمن لم تكن ذات حمل وجعل حكم أولات الأحمال ناسخا لحكم المتوفى عنها زوجها، وقد فرضنا كونها خاصا بمن لم تكن ذات حمل لزم إبطال حكمها في حق جميع أفرادها وإعمال الدليلين بقدر الإمكان أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
هذا ما تيسر لي في توضيح المقام بعون اللّه تعالى ولي الإنعام والإطعام، فإن أصبت الحق فبفضل اللّه وإحسانه، وإن أخطأت فمن قصور فهمي ونقصانه. ثم إنه تعالى لما حث على التقوى في عامة أحكامه التي يدخل فيها حكم المعتدات دخولا أوليا بيّن كيفية التقوى في حكمين على طريق الاستئناف فكأنه قيل: كيف يتقي اللّه تعالى في حق المعتدات؟ فأجيب