حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 254
فيها بالمشيئة حتى لا تحنث من قولهم: حلل في يمينه إذا استثنى فيها. واحتج به من رأى التحريم مطلقا أو تحريم المرأة يمينا وهو ضعيف، إذ لا يلزم من وجوب كفارة اليمين فيه كونه يمينا مع احتمال أنه عليه الصلاة والسّلام أتى بلفظ اليمين كما قيل.
وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ متولي أموركم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم الْحَكِيمُ (2) المتقن في أفعاله وأحكامه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا [الكهف: 69] ثم لم يصبر لم يكن بعدم صبره مخلف وعده، فإن خلف الوعد من أمارة النفاق لقوله عليه الصلاة والسّلام: «آية النفاق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» . فحاشا من الأنبياء أن يكون فيهم آية النفاق، فعلم بذلك أن اقتران الاستثناء بالوعد يخرج الوعد عن كونه منعقدا، فكذا اقترانه باليمين يخرجها عن الانعقاد، فلذلك جعل بمنزلة التحليل. فإن كان المراد بتحلة الإيمان في الآية الاستثناء يكون المعنى: قد شرع اللّه لكم تعقيب إيمانكم بالاستثناء كيلا تنعقد فيحنث الحالف بإتيان المحلوف عليه. والوجه الثاني من وجهي تحليل اليمين الحنث فمن حنث في يمينه بإتيان المحلوف عليه فقد انحلت يمينه ويجب عليه الكفارة لإزالة عقوبة الحنث، فإن الحسنات يذهبن السيئات فالكفارة تشعر أن يكون انحلال اليمين بها وليس كذلك بل هي موجب انحلالها بالحنث إلا أن التزام الكفارة لما كان طريقا إلى تحليلها بالحنث صار منزلة السبب للتحليل فقال ذلك.
قوله: (واحتج به من رأى التحريم مطلقا) أي سواء حرم نحو: الثوب والدابة أو هرم امرأته فمن حرم على نفسه شيئا منها لا يصير محرما عليه لأنه قلب المشروع، والعبد لا يقدر عليه إلا أن الحنفية اعتبروه يمينا في كل شيء واعتبروا الامتناع عن المنفعة المقصودة مما حرمه على نفسه. فمن حرم على نفسه الطعام أو الشراب ثم أكل أو شرب لزمه كفارة يمين، ومن حرم أمته أو امرأته ثم وطئها أو أقدم على شيء من دواعي الوطء لزمته الكفارة. وعند الإمام الشافعي تحريم الحلال ليس بيمين مطلقا ولا يجب عليه الكفارة بذلك أصلا إلا في النساء والجواري، فإن حرم عليه زوجته أو أمته لا يكون ذلك يمينا عنده إلا أنه يجعله سببا لوجوب الكفارة عليه بمجرد تحريمه إياها سواء قربها أو لم يقربها، لما ذكره المصنف من أنه تعالى أنكر نفس التحريم وأوجب نقضه وتحليله بالكفارة وهو لا يستلزم كونه يمينا، وإن توقف وجوب الكفارة على الحنث بالقربان كما ذهب إليه الحنفية فإنه عليه الصلاة والسّلام كفر عن تحريمه بأن أعتق رقبة إلا أنه لم يثبت أنه عليه الصلاة والسّلام أعتق بعد استباحة ما حرمه عليه أو قبل الاستباحة. قوله: (مع احتمال أنه عليه الصلاة والسّلام أتى بلفظ اليمين كما قيل) ذكر الإمام محيي السنة نقلا عن المفسرين أنه عليه الصلاة والسّلام