حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 255
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ يعني حفصة حَدِيثًا تحريم مارية أو العسل، أو أن الخلافة بعده لأبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ أي فلما أخبرت حفصة عائشة بالحديث. وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ واطلع النبي عليه السّلام على الحديث أي على إفشائه عَرَّفَ بَعْضَهُ عرف الرسول عليه السّلام حفصة بعض ما فعلت. وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ عن إعلام بعض تكرما أو جازاها على بعضه بتطليقه إياها وتجاوز عن بعض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنها استأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في زيارة أبيها، فلما خرجت أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أم ولده مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها. فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا فرجعت فجلست عند الباب، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي فقال عليه الصلاة والسّلام: «ما يبكيك» ؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي على فراشي، ما رأيت لي حرمة وحقا، وما كنت تصنع هذا بامرأة منهن.
فقال عليه الصلاة والسّلام: «أليس هي جاريتي أحلها اللّه لي. اسكتي فهي حرام عليّ التمس بذاك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن» . فلما خرج عليه الصلاة والسّلام قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة رضي اللّه عنها فقالت: ألا أبشرك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد حرم عليه أمته مارية وقد أراحنا اللّه منها. وأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فغضبت عائشة فلم تزل بنبي اللّه حتى حلف أن لا يقربها.
فنزلت. فهذه الرواية صريحة في أنه عليه الصلاة والسّلام أتى بلفظ اليمين بعد التحريم، فوجوب الكفارة مبني عليه ولفظ التحريم لا أثر له فيها. وذكر الإمام محيي السنة أيضا أنه عليه الصلاة والسّلام لما رأى الكراهية في وجه حفصة أراد أن يرضيها فأسر إليها شيئين:
تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وبعده في أبيها عمر رضي اللّه عنهما، فأخبرت به حفصة عائشة فأطلع اللّه تعالى نبيه على إفشاء حفصة إياه، وعرف النبي حفصة بعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم الأمة، وأعرض عن بعض يعني ذكر الخلافة كره عليه الصلاة والسّلام أن ينتشر ذلك في الناس تكرما منه عليه الصلاة والسّلام وحلما. فإنه قيل: ما استقصى كريم قط. وكلمة «إِذْ» في قوله تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ مفعول به لا «ذكر» المقدر فهو مفعول به لا ظرف والمعنى: اذكر إذ أسر النبي وفاعل «نبأت» مستتر فيه يرجع إلى بعض أزواجه. والأصل في نحو: نبأ وأنبأ أن يتعدى إلى مفعولين: إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفا وقد يحذف الأول اعتمادا على ما يدل عليه. وقد جاءت الاستعمالات الثلاثة في هذه الآيات: فإن قوله تعالى: فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ تعدى إلى اثنين وحذف أولهما، والثاني مجرور