حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 256
ويؤيده قراءة الكسائي بالتخفيف فإنه لا يحتمل ههنا غيره لكن المشدد من باب إطلاق اسم المسبب على السبب والمخفف بالعكس. ويؤيد الأول قوله: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) فإنه أوفق للإعلام
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالباء وهو ضمير الحديث أي نبأت حفصة صاحبتها التي هي عائشة بالحديث الذي أسره إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والضمير المنصوب في «أظهره» للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وضمير «عليه» راجع إلى الحديث بتقدير المضاف أي على إفشائه فعلى هذا يكون «أظهر» متضمنا معنى اطلع من ظهر فلان السطح إذا علاه، وأظهره السطح أي رفعه عليه، فاستعير للاطّلاع على الشيء أي أطلع اللّه النبي على إفشاء حفصة ذلك الحديث على لسان جبريل عليه الصلاة والسّلام. والمرفوع المستتر في «عرف» للنبي ومفعوله الأول محذوف أي عرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حفصة بعض ما أفشته إلى صاحبتها بأن قال لها على طريق العتاب: ألم أك أمرتك أن تكتمي سري ولا تبديه لأحد. وذكر لها بعض الذي أفشته وقال لها: إنك قد ذكرت كذا. وسكت عن بعض ولم يذكره لها تكرما عن الاستقصاء. وقد قيل: إن الكريم لا يبالغ في العتاب. وهذا المعنى على قراءة التشديد في «عرف» وهي قراءة الجمهور. وقرأ الكسائي بتخفيف الراء قال الفراء: معناه غضب فيه وجازى عليه وهو من قول العرب: أنا أعرف الإحسان أي أجازي عليه. وفي التنزيل: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: 197] أي يجازي عليه وإنما احتيج إلى هذا التأويل على قراءة التخفيف لأن تلك القراءة لا تحتمل غيره، لأنه تعالى أعلمه بجميع ما انبأت به حفصة صاحبتها لقوله تعالى: وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قال المفسرون: إنه عليه الصلاة والسّلام جازى حفصة بأن طلقها طلقة واحدة، فلما بلغ ذلك عمر رضي اللّه عنه قال: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طلقك. فأمره جبريل بمراجعتها وشفع فيها وقيل: همّ بطلاقها حتى قال له جبريل: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وأنها من نسائك في الجنة. فلم يطلقها.
قوله: (لكن المشدد من باب إطلاق اسم المسبب على السبب) يعني أن كل واحدة من قراءتي التشديد والتخفيف تدل على معنى المجازاة إلا أنه في قراءة التشديد ذكر المسبب وهو التعريف وأريد السبب الذي هو المجازاة، فإن عتاب المسيء ومجازاته سبب لتعريف إساءته كما أن معرفة إساءة المسيء سبب لمجازاته، فإن مجازاة المسيء بها تعرف إساءته كما أن معرفة إساءته سبب لمجازاته. روي أنه عليه الصلاة والسّلام اعتزل نساءه وحلف أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة غضبه عليهن حين عاتبه اللّه تعالى بسببهن وقعد في مشربة مارية أم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام. وعن عمر رضي اللّه عنه قال: سمعت الناس يقولون: إنه عليه الصلاة والسّلام طلق نساءه، فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت لها: أطلقك رسول