حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 257
خطاب لحفصة وعائشة على الالتفات للمبالغة في المعاتبة. فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن الواجب من مخالصة الرسول عليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت: لا أدري هو معتزل في هذه المشربة. فأتيته فدخلت فسلمت عليه فقلت:
أطلقت نساءك يا رسول اللّه؟ فقال: «لا» فقلت: اللّه أكبر. وفيه تفصيل كثير ذكره في المعالم.
فقعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيت مارية حتى نزلت آية التخيير. قالت عائشة: فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: يا رسول اللّه إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وأنك قد دخلت مع تسع وعشرين أعدهن. فقال عليه الصلاة والسّلام: «إن الشهر تسع وعشرون» وكان ذلك الشهر كذلك ثم قال لي: «يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فعليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» . ثم قال: «إن اللّه عز وجل قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا[الأحزاب:
28، 29]فخيّرني بمقتضى هذه الآية الكريمة فاخترت اللّه ورسوله، ثم خير سائر نسائه فقلن كلهن مثل ما قلت رضي اللّه عنهن أجمعين. وكانت تحته يومئذ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة وحفصة وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة بنت أمية وسودة بنت زمعة، وغير القرشيات: زينب بنت جحش الأسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي بن أخطب المخزومية وجويرية بنت الحارث المصطلقية رضي اللّه عنهن وعن سائر الصحابة أجمعين. والمستتر في قوله تعالى: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ ضمير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والبارز في نَبَّأَها بِهِ ضمير حفصة والمجرور في «به» ضمير الحديث الذي أفشته حفصة أي فلما أخبر النبي حفصة بما أظهره اللّه عليه من أنها أفشت سره عليه الصلاة والسّلام قالت حفصة له عليه الصلاة والسّلام: من أخبرك هذا؟ بناء على أنها ظنت أن عائشة أخبرته بذلك. ثم إنه تعالى لما ذكر أن بعض أزواج رسول اللّه أفشت سره صلّى اللّه عليه وسلّم ونبأت به صاحبتها خاطبهما على سبيل الالتفات وعاتبهما بأن أخبرهما: إن قلوبكما زاغت عن الحق وأوجب عليهما التوبة فقال:
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ أي من التعاون وإيذائه عليه الصلاة والسّلام. روي عن ابن عباس أنه قال: لم أزل حريصا على أن اسأل عمر عن المخاطب بقوله تعالى: إِنْ تَتُوبا من هما؟
حتى حج وحججت معه. فلما كان بعض الطريق عدل وعدلت معه بالأداوة فسكبت الماء على يديه فتوضأ فقلت له: من هما؟ فقال: عجبا يا ابن عباس. كأنه كره ما سألته عنه قال:
هما حفصة وعائشة. قوله: (فقد وجد منكما ما يوجب التوبة) إشارة إلى أن قوله تعالى:
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ليس جزاء للشرط من حيث إن صغو قلوبهما كان سابقا على الشرط فلا يصح كونه جزاء له، لأن الجزاء يجب أن يكون مرتبا على الشرط مسببا عنه، بل جزاء