حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 259
بقوله: بَعْدَ ذلِكَ تعظيم لمظاهرة الملائكة من جملة من ينصره اللّه به.
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَ على التغليب أو تعميم الخطاب وليس فيه ما يدل أنه لم يطلق حفصة، وأن في النساء خيرا منهن لأن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة والمعلق بما لم يقع لا يوجب وقوعه. وقرأ نافع وأبو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجنس تفيد العموم. قوله: (وبقوله بعد ذلك) أي والمراد بقوله بعد ذلك تعظيم لمظاهرة الملائكة. قوله: (من جملة من ينصره اللّه به) يعني أن المراد بالبعدية البعدية بحسب الرتبة، والإشارة إلى نصرة اللّه تعالى بتوسط صلحاء المؤمنين. ولا شك أن مظاهرة الملائكة أعظم من نصرة سائر ما يكون واسطة في نصرة اللّه تعالى إياه عليه الصلاة والسّلام، لأنه تعالى مكّن الملائكة على ما لم يمكن الإنسان عليه وليس المراد البعدية الزمانية لأن تظاهر الملائكة على موالاته عليه الصلاة والسّلام ليس بعد موالاة صلحاء المؤمنين زمانا. ثم إنه تعالى لما عاتبهما بأنه قد صغت قلوبكما وأنه يجب عليكما أن تتوبا شرع في تخويفهما بأن ذكر لهما أنه عليه الصلاة والسّلام يحتمل أن يطلقكما، ثم إنه عليه الصلاة والسّلام إن طلقكما لا يعود ضرر ذلك إلا عليكما فإنه تعالى يبدله حينئذ أزواجا خيرا منكما إلا أنه تعالى خاطب جميعهن مع أن الخطاب السابق ليس إلا مع اثنتين منهن على تغليب المخاطب على غيره حيث عبّر عن الجميع بما يعبر به عن الحاضرين. فإن الخطاب السابق إنما كان مع حفصة وعائشة، فكذا هذا الخطاب إلا أنه أدخل الغائبات في الخطاب وخوطبن جميعا بطريق تغليب الحاضر على الغائب. ويحتمل أن يكون التعبير عن الجميع بقوله: طَلَّقَكُنَ بناء على قصد تعميم الخطاب للجميع. قيل: كل «عسى» في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: هو أيضا واجب ولكن اللّه تعالى علقه بشرط وهو التطليق ولم يطلقن، فإن المذهب أنه ليس على وجه الأرض نساء خيرا من أمهات المؤمنين إلا أنه عليه الصلاة والسّلام إذا طلقهن لعصيانهن له وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوفين بهذه الصفات مع الطاعة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خيرا منهن، وهذه الخيرية لما علقت بما لم يقع لم تكن واقعة في نفسها وكان اللّه تعالى عالما بأنه عليه الصلاة والسّلام لا يطلقهن ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهن تخويفا لهن كقوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: 38] وقوله: «وقرأ نافع وأبو عمرو بالتخفيف» هذا مخالف لما ذكر في التيسير في فرش سورة الكهف مع أنه قرأ نافع وأبو عمرو «أن يبدلهما» وفي التحريم «أن يبدله» وفي نون والقلم «أن يبدلنا» في الثلاثة بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف. فينبغي أن يكون ما في الكتاب سهوا من الناسخين. وقوله تعالى: إِنْ طَلَّقَكُنَ شرط معترض بين اسم «عسى» وخبرها وجوابه محذوف أو متقدم أي إن طلقكن فعسى ربه أن يبدله. و «أزواجا» مفعول ثان لقوله: «أن