حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 264
وصلة بينهم وبين الأنبياء.
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ شبّه حالهم في أن وصلة الكافرين لا تضرهم بحال آسية رضي اللّه عنها ومنزلتها عند اللّه مع أنها كانت تحت أعدى أعداء اللّه. إِذْ قالَتْ ظرف للمثل المحذوف. رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ قريبا من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين. وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ من نفسه الخبيثة وعمله السيئ. وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) من القبط التابعين له في الظلم.
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ عطف على امرأة فرعون تسلية للأرامل. الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها من الرجال فَنَفَخْنا فِيهِ في فرجها. وقرئ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصبرها على أذية الكفار لثباتها على دينها، وبحال مريم أم عيسى عليه الصلاة والسّلام في أنه تعالى أكرمها بمجرد صلاحها في نفسها مع كونها أرملة لا زوج لها صالح ولا طالح فقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا الآية وضرب بمعنى جعل وصير و «مثلا» مفعوله الأول و «امرأة فرعون» مفعوله الثاني بتقدير المضاف أي جعل اللّه مثلا للذين آمنوا مثل امرأة فرعون. والمثل المقدر بمعنى الحال أو القصة الغريبة وهذا تصريح بأن المثل أريد به معناه المجازي وهو الحال أو القصة الغريبة، فلذلك تعلق به الظرف وهو قوله: إِذْ قالَتْ أي شبه ومثل حالهم بحالها وقت قولها: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا وليس المراد بالعندية فيه عندية المكان وهو ظاهر بل إنها طلبت القرب من رحمة اللّه تعالى والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان القرب فقالت: فِي الْجَنَّةِ ويحتمل أن يكون قولها: عِنْدَكَ كناية عن ارتفاع درجتها في الجنة كأنها قالت: رب ابن لي عندك بيتا رفيعا في جنة المأوى التي هي أقرب الجنان إلى العرش. روي أنه لما غلب موسى عليه الصلاة والسّلام السحرة آمنت آسية امرأة فرعون وقيل: هي عمة موسى آمنت به. فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد. وألقاها في الشمس قيل: أمر فرعون بأن يلقي عليها صخرة وهي في الأوتاد، فدعت اللّه تعالى بقولها: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ فرفع روحها إلى الجنة، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه. وقيل: استأنفت وملت صحبة فرعون فسألت ذلك فكشف اللّه تعالى عن بيتها في الجنة حتى رأته قبل موتها. قوله: (في فرجها) قال المفسرون: المراد بالفرج ههنا الجيب، فإن جبريل عليه الصلاة والسّلام قد جيب درعها بأصبعيه ثم نفخ في جيبها فحبلت بعيسى. فعلى هذا يكون قوله تعالى: «فِيهِ» من باب الاستخدام لأن الظاهر أن المراد بلفظ الفرج في قوله تعالى: أَحْصَنَتْ فَرْجَها هو العضو وأريد بضميره معنى آخر للفرج وهو جيب القميص، فإن كل خرق في الثوب يطلق عليه لفظ الفرج، ومنه قوله تعالى: وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ [ق: 6] قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الفرج هو جيب الدرع. واختار أن يحمل على أصل معناه العرفي وصفها اللّه تعالى بقوله: أَحْصَنَتْ