حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 268
[البقرة: 28] ولأنه أدعى إلى حسن العمل لِيَبْلُوَكُمْ ليعاملكم معاملة المختبر بالتكليف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إما لأن المراد بالموت الحالة القائمة بالنطفة والعلقة والمضغة وبالحياة الحالة المرتبة على نفخ الروح في الجنين، وإما لأن المقصود من سوق الآية تحريض المكلفين على حسن العمل والموت أدعى إلى هذا المقصود بالنسبة إلى الحياة. فإن نصب الموت بين الفئتين أقوى الزواجر عن المعاصي، وأقوى الدواعي إلى أحسن العمل ولا شك أن ما هو أبلغ في التأدية إلى الغرض المسوق إليه الكلام أهم فقدم على الثاني.
قوله: (ليعاملكم معاملة المختبر) يعني أن البلوى وهو الاختبار والامتحان ليس على حقيقته لأنه إنما يتصور ممن يخفى عليه عاقبة الأمر، بل هو وارد على سبيل الاستعارة التمثيلية وهي أن يشبه صورة منتزعة من عدة أمور بصورة أخرى مثلها ويدعي دخول الأولى في جنس الثانية للمبالغة، فيطلق على الأولى اللفظ المركب الدال على الثانية فيعتبر التجوز في مجموع ذلك اللفظ المركب لا في مفرداته بل هي باقية على حالها من كونها حقيقة أو مجازا كما في قولك: إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فكذا في هذه الآية الكريمة شبّهت حاله تعالى مع المخاطبين الذين كلفهم بالأوامر والنواهي بعد ما مكنهم من فعل الطاعة والمعصية وبيّن لهم عاقبة كل واحدة منهما حتى يظهر منهم ما ثبت في علمه الأزلي من طاعة المطيع ومعصية العاصي ليجازيهم على حسب علمهم لا على حسب علمه بما يصدر عنهم، فإنهم لا يستحقون الثواب والعقاب بما في علمه تعالى بل بما كسبوه باختيارهم بحال المختبر مع المختبر فاستعيرت العبارة الموضوعة للدلالة على حال المختبر مع المختبر لحاله تعالى مع المخاطبين وما يظهر من خلق المكلفين وتكليفهم من طاعتهم ومعصيتهم باختيارهم غير ما تعلق به العلم الأزلي منهما، فإن العلم الأزلي يتعلق بهما قبل وقوعهما باعتبار أنهما سيقعان أو لا يقعان لأن ذلك لا يكون علما، وما يظهر من خلقهم وتكليفهم هو تحققهما ووقوعهما بالفعل. فمعنى قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ليعلم هذا المعنى واقعا بعد ما علم أنه سيحصل، ولا يلزم منه تجدد علمه تعالى وحدوثه بل التجدد إنما هو في جانب المعلوم. وزعمت الفلاسفة أنه تعالى يعلم الجزئيات على وجه كلي هربا من تجدد علمه تعالى. وذهب المسلمون إلى أنه تعالى يعلم الجزئيات على وجه جزئي فيعلم عند وجودها أنها وجدت وعند عدمها أنها عدمت، كما أنه تعالى يعلم في الأزل أنها ستوجد في وقت وتعدم في آخر فلا يعتبر علمه الأزلي بل المعتبر تعلقاته على حسب تغير المعلوم.
واللام في قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ تدل على أن أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد كما زعمت المعتزلة. وعند أهل السنة ليس الكلام محمولا على ظاهره لقيام الدليل على أنه تعالى لا يفعل لغرض بل المقصود بيان الحكمة المترتبة على فعله تشبيها لها بالعلة الغائية في أن كل