حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 269
أيها المكلفون. أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أصوبه وأخلصه. وجاء مرفوعا «أحسن عقلا» وأورع عن محارم اللّه وأسرع في طاعته جملة واقعة موقع المفعول ثانيا لفعل البلوى المتضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأنه يخل به وقوع الجملة خبرا فلا يعلق الفعل عنها بخلاف ما إذا وقعت موقع المفعولين. وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل الْغَفُورُ (2) لمن تاب منهم.
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا مطابقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واحدة منهما مترتبة على وجود الفعل، فإن قيل: الابتلاء إنما يكون بالإحياء والتكليف فما معنى خلق الموت للابتلاء؟ والجواب عنه يعلم من قوله آنفا ولأنه أدعى إلى حسن العمل، فإن معنى الآية أنه تعالى أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وتتمكنون بها منه وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح من حيث إن وراءه البعث والجزاء الذي لا بد منه لبقاء حكمه وملكه ليعاملكم معاملة المختبر ويظهر ما في علمه الأزلي ويتميز المطيع من العاصي فيجازي كل أحد بما يستحقه. قوله: (أصوبه وأخلصه) فإن أحسن الأعمال ما كان أصوب بأن يكون موافقا للسنة وأخلص بأن لا يشوبه شيء سوى ابتغاء وجه اللّه، والعمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لوجه اللّه تعالى لم يقبل أيضا. وفسر حسن العمل بحسن العقل لأن حسن العمل يترتب على العقل فمن كان أتم عقلا كان أحسن عملا فإن من تم عقله يكون أشد خوفا من اللّه تعالى وأكثر للموت ذكرا وأحسن له استعدادا. قوله: (جملة واقعة) يعني أن قوله تعالى: أَيُّكُمْ مبتدأ وأَحْسَنُ خيره وعَمَلًا تمييز والجملة الاسمية سادة مسد المفعول الثاني لفعل البلوى وقوله: «المتضمن» الخ دفع لما يقال من أن فعل البلوى يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإنما يتعدى إلى الثاني بواسطة الباء، وقد أخذ ههنا مفعوله وهو الضمير المنصوب المتصل فكيف يصح أن يقال: إنه يستدعي مفعولا ثانيا يتعدى إليه بنفسه وأن الجملة الاسمية واقعة موقعه؟ وتقرير الدفع: نعم إن الأمر كذلك إلا أنه متضمن لمعنى العلم فكأنه قيل: ليعلم أيكم أحسن عملا. وبذلك الاعتبار استدعى مفعولا ثانيا سدت الجملة الاسمية التي بعده مسده. ثم إن فعل البلوى لما كان في قوة أفعال القلوب التي من خصائصها أن تعلق بحرف الاستفهام نحو: علمت أزيد أفضل أم عمرو وبالاسم المتضمن للاستفهام كقوله تعالى: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى [الكهف: 12] احتمل أن يكون معلقا عن مفعوله الثاني ب «أي» لكونه متضمنا لمعنى الاستفهام فإنك إذا قلت: إني أعلم أيكم أفضل كان المعنى: أعلم أزيد أفضل أم عمرو، وأعلم لا يعمل فيما بعد ألف الاستفهام فكذا لا يعمل في أي لاتحاد المعنى. فالمصنف دفع هذا الاحتمال بقوله: «وليس هذا من باب التعليق» وتقرير دليله: أنه إذا سبق أحد المفعولين والمفعول الثاني جملة مصدرة بكلمة